Menu Close

في هذا اليوم تُقيم الكنيسة المُقدَّسَة تَذكار:

*القدّيس البارّ ذيوس الأنطاكيّ. *القدّيسة البارّة مَكرينا ورفيقاتها الأربع. *البارّان ثيودوروس الرَّهّاوي وابن أخته ميخائيل الشَّهيد. *القدّيس البارّ برلعام الجبل الأقرع. *أبينا الجليل في القدّيسين غريغوريوس بانيدوس المعترف. *القدّيس البارّ ذيوكليس المصريّ. *الشَّهيد رومانوس أمير ريازان. *القدّيس البارّ بائيسيوس لافرا المغاور. *القدّيسان الصّربيّان استفانوس وميليتسا. *نقل رفات وإعلان قداسة القدّيس سيرافيم ساروفسكي.

القدّيس البارّ برلعام الَّذي في الجبل الأقرع في أنطاكية (القرن 6 م)

أخذنا سيرته عن المخطوطات الأنطاكية القديمة الذي يعود بعضها إلى القرن الثالث عشر للميلاد.

إناء مختار

          وُلد القدّيس برلعام في قرية اسمها اللحيية “في جبل اللكام المقدّس”. ولمّا بلغ أحبّ الرهبانية فانصرف إليها ولبس الإسكيم الملائكي. من ذلك الوقت جعل حبّ الله شغله الشاغل. فتنته الحضرة الإلهية وجمّلته العناية الربّانية. صارت الأصوام والأسهار والأتعاب لديه “بلا مشقّة ولا ألم”. كان يُرى حاضراً بالجسد على الأرض فيما ذهنه عند إلهه وسيّده في السماء.

إلى بيت المقدس

          خطر بباله، مرّة، أن يمضي إلى بيت المقدس تبرّكاً. وكان هذا الفكر من النعمة الحالّة فيه. فانتصب وصلّى قائلاً: يا رب إنّي سائر إلى بيتك المقدّس فتمّم فيّ إرادتك وهواك. ثمّ قام وسار إلى هناك مؤثراً الوحدة على الصحاب حاسباً نفسه في خلوة مع ربّه في قلاّية قلبه. فلمّا وصل إلى باب المدينة وجد قوماً وقوفاً فسألهم كما بإلهام من الله: “أهذه هي المدينة التي صلبت ربّها؟” فقالوا: هي إيّاها، وقد سقته خلاً على الصليب! فبكى! وإذ احتدّت روحه فيه مجّد الله وقال: “حيّ هو الله سيّدي إنّي لا أدخلها!” وللحال استدار وعاد من حيث أتى. فظهر له ملاك الربّ قائلاً: “ولا إلى ههنا بعثك الربّ بل إلى الجبل المسمّى الأقرع لتُخرج منه أركون الشياطين وتُظهر فيه اسم سيّدنا يسوع المسيح”. وبعدما باركه الملاك غاب عنه فشكر القدّيس الربّ الإله وبارك اسمه متذكّراً الكلمة التي تفوّه بها ساعة عزم على الخروج إلى أورشليم: “تمّم يا ربّ فيّ هواك ومسرّتك!” فمضى فرحاً لأنّه حسب مستأهلاً لأن يكون لربّه رسولاً.

إلى الجبل الأقرع

          وجّه رجل الله طرفه ناحية الجبل الأقرع غير عارف بالموضع الذي دعي إليه تحديداً. فوقف وصلّى قائلاً: كمّل يا ربّ فيّ مسرّتك واهدني طريقاً مستقيماً كما فعلت بإسرائيل في البرّية مظلّلاً شعبك بالسحاب نهاراً وهادياً إيّاه بعمود النار ليلاً سائراً بين يديه!. فما كاد يفرغ من صلاته حتى ظهر له نور ساطع تقدّمه كخشبة صليب وصوت من الصليب يقول له: “يا برلعام! أنا هو الطريق والحقّ والحياة!”. ففرح القدّيس وشكر الله وسار في إثر الصليب. فلمّا بلغ الجبل غاب عنه. فوقف القدّيس وصلّب على وجهه وتقوّى ثمّ انبرى للقاء أركون الظلام بهمّة وعزم وثقة بالله خالصة.

في مواجهة الشياطين

          تقدّم برلعام في الجبل بخطى ثابتة. فلمّا بلغ وسطه إذ بأصوات تهدر وضجيج يعظم وخيل تصهل وقعقعة سلاح وبريق سيوف ورماح، وإذ بأركون الظلام متقدّماً من خلفه ألوف الشياطين، وفي أيديهم حيّات يضربون بها الخيل سياطاً، وهم يصيحون: برلعام، برلعام ليس لك بيننا مقام! ولا مسيحي تجاسر أن يصعد إلى هذا الجبل وأقام فيه أبداً! أما سمعت بنا؟! فكيف تجرؤ على ما لا تطيقه؟! أما ترى النيران في عيوننا والنحاس والحديد يذوبان ولا يثبتان أمامنا؟! نخوض عباب البحر ونطير دروج الرياح، ومَن يصمد بإزائنا؟! فقال لهم القدّيس رابط الجأش، واثقاً هادئاً: “أنا لم آت من نفسي لأعاين مناظركم القبيحة، وقد كتب أن صانعي الظلم لا ثبات لهم أمام عينيّ، ولأبيدنّ من مدينة الربّ عمّال الإثم أجمعين وأدورن بألحاظي على قاطني الأرض لأجلسهم معي”. فأجابه الأركون: إذا كنت لا تهوى المجيء إلى ههنا فمَن ذا الذي جاء بك وخدعك؟! فقال القدّيس: إنّ الذي بعثني هو أمرني أن أخرج أركون الشياطين وصحبه من هذا الجبل وأسكن أنا وصحبي فيه لنخدم ربّنا يسوع المسيح، الإله الحيّ. فلمّا تفوّه القدّيس باسم الربّ يسوع صاح الشياطين بأعلى صوتهم مبدين اضطراباً عظيماً. فرفع القدّيس عينيه وصلّى قائلاً: أشكرك، ربّي، لأنّك بعثتني إلى أمّة جاهلة قاسية فأعنّي، ربّي، وقوّي جناحي على حسب وعدك: هأنذا معكم إلى انقضاء الدهر.

حيلة على الشيطان

          وأيقن القدّيس ممّا حدث أن الشياطين جبناء. كما ذكر قول داود: “ألوف يسقطون عن يسارك وربوات عن يمينك، أما إليك فلا يقتربون”. ثمّ صلّى قائلاً: “أنت يا ربّ هو رجائي. جعلت العليّ ملجأ لك فلا يحلّ بك شرّ وضربة لا تدنو من مسكنك” (مز 90). وتأيّد بالروح وتشجّع وعزم على مواجهة الشياطين كفارس شجاع مقدام. قال لهم: “يا معشر الجنّ! كفّوا عن الضجيج واهدأوا! امضوا من ههنا بجملتكم لأنّه ليس لكم معي مقام! ها إنّكم اضطربتم من ذكر سيّدي وحسب، فكيف لو رأيتم جيوشه وأجناده؟!” فتوقّفوا عن الضجيج، وكفّوا عن الجلبة. فوقف أركون الظلام وقال للقدّيس: “يا برلعام، كيف رأيت كثرة عسكري؟ ارفع عينيك وانظر، فإنّك ترى هذا الجبل مغطى بأجنادي وأصحابي. فقرّ عيناً وكن من عدادهم ومن رؤسائهم لكي املأ خزائنك أموالاً وجواهر وأجعل الملوك والناس يخضعون لك. ويأتونك بالذبائح والقرابين للصنم الكبير، في رأس هذا الجبل، وأنت تتولاّهم ويكون الجميع طوع بنانك. فابتسم القدّيس وأجابه: إنّي أخاف النصارى أن يقبلوا إلينا ويكونوا أكثر منا وأقوى. فهلمّ بأصحابك إليّ لأحصيهم ويقوى قلبي وأقبل ما تقول. فسرّ الأركون ظاناً أنّه قد أوقع بالقدّيس وأردف: عدّهم يا برلعام! ها إنّهم أمامك، وافعل ما تريد! فتطلّع القدّيس حواليه فلاحظ حفرة سحيقة كحفرة يوم صلب المسيح، فقال للأركون: مرّ أصحابك أن ينزلوا في الحفرة واحداً فواحداً لأعدّهم ولا أخطأ. وكان الأركون يعلم أنّ الشياطين إن نزلت في الحفرة فإنّها قادرة على الصعود منها أيضاً، فوافق القدّيس على ما طلب وأمر زبانيته بأن يفعلوا. فأخذوا ينزلون الواحد تلو الآخر والقدّيس يعدّهم بإصبعه النقيّة إلى أن اكتمل عددهم، عدّة آلاف، ولم يبق غير الأركون وحيداً. إذ ذاك تطلع الأركون إلى القدّيس وقال له: ها قد تشدّدت يا برلعام وعرفت كثرة مَن معي، فانزل الآن معهم فقد صرت من رؤسائهم. فقال له: لا بل تنزل أنت ليكتمل العدد وأنا أنزل من بعدك. فألقى الأركون بنفسه في الهاوية فرحاً ببرلعام، فرفع القدّيس يده وختم الموضع برسم الصليب مقفلاً عليه بكلمة الله قائلاً: يا معشر الشياطين! لا يكن لكم سلطان أن تطلعوا من هذه الهاوية بل تكونون فيها إلى دهر الداهرين. فأطبقت الهوّة على الشياطين بقوّة الله. ففرح القدّيس وشكر الله وصعد إلى الجبل وفي يده صليب من شجر الزيتون وهو يردّد: إن أحاط بي عسكر فإنّ قلبي لا يخاف. وإن قامت عليّ حرب فأنا في هذا واثق. وقد رفع الربّ رأسي على جميع أعدائي الذين أحاطوا بي كالزنابير وتلهّبوا كالنار بالشوك وباسم الربّ بدّدت شملهم.

صليب عوض الصنم

          فلمّا انتهى القدّيس إلى رأس الجبل المعروف بالأقرع نظر الصنم منصوباً وعلى رأسه تاج من ذهب وعيناه من ياقوت أحمر وأمامه أثر الذبائح واللبان في مجامر الذهب والفضّة، وأطفال ذبحوا ليحرقوا قدّامه. فلمّا تأمّل القدّيس في كل ذلك بكى على ضعف بشرتنا وتعجّب من ظلمة عقول الناس الذين أطاعوا الشياطين وارتضوا أن تذبح أولادهم. ثمّ تطلع نحو الشرق وصلّى قائلاً: أيّها الربّ الإله القويّ، يسوع المسيح، أعطني قوّة وعلامة صالحة ليدعى اسمك في هذا الجبل ويسبَّح، واكسر قوّة الملوك الطغاة وبدّد أصنامهم وأعط النصرة لعبيدك المؤمنين بقوّة صليبك المحيي، بشفاعة والدتك الطاهرة. وبعدما صلّى هكذا أخذ برجل الصنم فأنزله وقطّعه وأباده، وجعل في موضعه الصليب الكريم. وأقام هناك على صخرة في جهادات نسكية فائقة، كما جمع بقايا الشهداء الذين سقطوا في ذلك المكان، وبنى ديراً كبيراً سكنه خلق كثير. وقد آمن العديدون بالربّ يسوع على يديه. وقصده الرهبان الذين في البراري ونسك كثيرون. وقد اقتنى بعضهم من الله نعماً جزيلة وأوتوا الآيات. أما برلعام فمنّ عليه الربّ الإله بسلطان طرد الأرواح الخبيثة من الناس وأبرأ عمياناً قصدوه، ومقعدين أقامهم باسم الربّ.

من بعض فضله

          ومن بعض فضله أنّه كان في الجبل حبيس مضيء بالفضائل مشهور بالعجائب. فلمّا سمع بالقدّيس برلعام أنفذ إليه ناراً مصرورة في خرقة فقبلها القدّيس وتبرّك بها. ثمّ أخذ النار بيده وطرح فيها بخوراً أمام الربّ الإله. كما أخذ ماء وصرّه في خرقة وأنفذه إلى الحبيس فقبله وتبرّك به هو أيضاً. وحدث، في تلك الساعة، أنّ قوماً كانوا في زيارة الحبيس، وكانت بهم أوجاع وأمراض وعاهات. فلمّا نظروا الماء ادّهنوا به فشفوا للوقت من أدوائهم بقوّة الله فسبّحوا العليّ ومجّدوه. وأما الحبيس فشكر الربّ عالماً بأن برلعام قدّيس تام وفاخر في زمانه.

منظراً إلهياً

          فلمّا تمّت لقدّيسنا أيّامه، وهو في نحو الثمانين، عاين بالروح منظراً إلهياً. رأى نعمة الربّ الإله وجماعة من الملائكة القدّيسين، فلم يتمكّن من فحص ما أبصر من كثرة ما اندهش عقله لتلك الرؤيا. ومن عظم شرفه أنّ الملائكة خطفته وارتفعت به وهي تبشّره مطمئنين. فأما نعمة الربّ فكانت أمامه تقول له اتبعني، لا تخف، فإنّي لا أفارقك حتى أُريك وجه الملك السماوي. فذكر قول داود النبي: روحك الصالح يهديني في أرض مستقيمة. وكان صاعداً بغير وجل. فلمّا انتهى إلى الجوّ، إذ بربوات من مشايخ السوء في الهواء يرصدون الأنفس إذا خرجت حريصين على أن يعتقلوها ويعيقوها عن الصعود. فإذا ما خلصت منهم وارتفعت عنهم تأسّفوا أسفاً شديداً. فإذا ما يئسوا أخذوا في تطويبها. ورأى القدّيس نفوس المغلولين بالأهواء ممن سلكوا برخاوة الجسد، وأمالوا أذهانهم إليه والشياطين يعتقلونها. فألم لذلك أشدّ الألم وودّ لو كان بإمكانه أن يجيب عن الأنفس جميعها إشفاقاً عليها.

          ولما ارتفع في السماء نظر مناظر الأجساد العقلية وجاز في الطغمات السماوية وهو يردّد: المجد لك يا سيّدي يسوع المسيح، الملك العظيم! مسبَّح أنت يا ربّ القوّات وعجيبة هي أعمالك ولا نهاية لعظمتك. ثمّ رأى بلاطاً حسناً وبلداً بهياً جداً وكرسياً عظيماً وتاجاً مهيّأ. فقالت له النعمة: هذا كله يا برلعام مدّخر لكل مَن يتشبّه بحسن مذهبك! وكانت ملائكة الربّ تصدح تسبيحاً بألحان عذبة ولغات فائقة. ورأى مراكب من نور والشاروبيم والسارافيم يقدّسون ويمجّدون. فخرّ القدّيس ساجداً قائلاً: يا ربّ إن كنت قد وجدت نعمة بين يديك فامنحني ألاّ أفارق هذا الموضع. فسمع صوتاً يقول له إعلم أنّ ما طلبته يكون لك.

استعداد للموت وصلاة للخطأة

          بعد ذلك رأى القدّيس نفسه في قلاّيته. أما ما بقي له من عمره فقضاه باكياً على مشايخ السوء في الهواء وما يفعلونه بالأنفس الخاطئة رصداً واعتقالاً. وكان يذكر كلمة الرسول بطرس وقول النبي: إن كان الصدّيق بالجهد يخلص فالخاطئ والمنافق أين يوجد؟! وكان كلّما ذكر ما رآه في السماء من التسبحة والنور والبهاء يقول بشوق: أخرج يا ربّ من الحبس نفسي!

رقاده

          ولم تطل حياته بعد ذلك المنظر إلاّ تسعة أشهر انتقلت نفسه بعدها إلى ما رآه معدّاً له. وقد بقي جسده مدفوناً في ديره يشفي الأمراض ويصنع العجائب ويظهر الآيات والقوّات إلى اليوم – على حدّ قول كاتب السيرة – . وقد كان انتقاله من العالم إلى النياح في التاسع عشر من شهر تموز. شفاعته تنفعنا. آمين.

مواضيع ذات صلة