Menu Close

نشرة كنيستي- الأحد (21) بعد العنصرة- العدد 43

الأحد 25 تشرين الأوَّل 2026

كلمة الرّاعي 

خسارة خلاصنا

“أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الظَّالِمِينَ لَا يَرِثُونَ مَلَكُوتَ اللهِ؟ لاَ تَضِلُّوا: لاَ زُنَاةٌ وَلاَ عَبَدَةُ أَوْثَانٍ وَلاَ فَاسِقُونَ وَلاَ مَأْبُونُونَ وَلاَ مُضَاجِعُو ذُكُورٍ، وَلاَ سَارِقُونَ وَلَا طَمَّاعُونَ وَلَا سِكِّيرُونَ وَلَا شَتَّامُونَ وَلَا خَاطِفُونَ يَرِثُونَ مَلَكُوتَ اللهِ. وَهكَذَا كَانَ أُنَاسٌ مِنْكُمْ …” (١كورنثوس ٦: ٩ – ١١).

أهواء اللَّحم والدَّم وأهواء النَّفس تجعل الإنسان يخسر خلاصه إذا لم يتُبْ عنها بالحقيقة. لا يَصير الميْلُ في الإنسان أو الشَّهوة هوًى إلَّا إذا صار هذا الأخير مُستعبَدًا له أي غير قادر إلَّا أن يخضع له قَسْرًا بمعنى أنَّه فاقدُ الإرادة كلِّيًّا أمامه.

يعرض بولس الرَّسُول، لأهل كورنثوس ولكلِّ إنسانٍ يؤمن بالرَّبّ يسوع المسيح، عشرة خطايا تُفقِد الإنسان خلاصه الأبديّ، خمسةٌ منها مرتبطة بالبـَشَرَة أيّ لذَّة الأبدان، وخمسةٌ أخرى مرتبطة بلذَّة النَّفْس.

زنىً، عبادة أوثان، فِسْق، أَبَنَة ومضاجعة الذُّكور هي خطايا البَشرَة. لماذا وَضع معها الرَّسُول عبادة الأوثان؟ لأنَّه في كورنثوس كانت عبادة الأوثان رائِجَة، لا سِيَّما عبادة أفروديت الَّتي تقوم على الجنس والفسق أو بالأحرى كانت تضمّ كلّ الخطايا الخمس الَّتي للبَشَـرَة الَّتي ذكرها بولس الرَّسُول. أمَّا لماذا وضع الزِّنَى قبل عبادة الأوثان، فلأنَّ الزِّنَى في عمقه هو خيانة الله أوَّلًا واتِّباع شهواتنا، لذك نرى الرَّبّ، في العهد القديم خاصَّةً، يتوجَّه إلى شعبه (العبرانيّين أو اليهود) مُتّهمًا إيَّاهُم بخيانته والزِّنى، عليه كما تخون المرأة زوجها وتزني عليه، وذهابهم وراء آلهة أُخرى كالبعل وعشتروت وغيرهما.

لا نستطيع في هذه العُجالة أن نستطرد بتوضيح كلّ خطيئة مِن خطايا البَشَرَة، لكنَّ جامعها كلّها هو طلب اللَّذَّة في البَدَن، ليس أنَّ اللَّذَّة هي خطيئة بحدِّ ذاتها، بل تشيئ الإنسان لنفسه وللآخَر لأجل اللَّذَّة هو الخطيئة الكبرى. أن يصير الآخَر غير مهمٍّ بِحَدِّ ذاته، أن تُنزع عنه صورة الله ويوضَع في مَقام قنية لا قيمة لها إلَّا بقدر ما تكون أداة للهوان في يَدِ من يستملكها بطريقةٍ أو بأُخرى هذه هي الخطيئة الَّتي تدَمِّر إنسانيَّة الإنسان وتفصله كلِّيًّا عن حقيقته الوجودِيَّة بحسب تدبير الله في الخلق وتجعله عابدًا للذَّته، لِبَدنه، للشَّيْطان لا بل هي تحوِّلُه إلى شيطان أي إلى كائنٍ غير قادرٍ على التَّوْبَة، وهنا هو سِرُّ السُّقوط الأبديّ الَّذي تسبِّبُه هذه الخطايا متى صارت أهواء في النَّفْس…

*    *    *

أمَّا السَّرِقَة، الطَّمَع، السُّكر، الشَّتِم، الخطف فهي خطايا تتعلَّق بتعَدِّي الإنسان على الآخَر وحرِّيَّته، لأنَّ مَن يصنع هذه الخطايا لا يُقيم وَزْنًا ولا قيمة للآخَر في حياته، بكلمةٍ أُخرى يعتبر أنَّ مِن حَقِّهِ استباحَةَ الآخَر بالطَّريقة الَّتي تناسب كبرياءه في كلِّ ظرف من الظُّروف. خطورة هذه الخطايا هي نظرة الإنسان لنفسه كونه هو محور الوجود وتسخيره كلّ الوُجود لذاته مُعتبرًا أنَّ لا حُقوق سوى له في كلِّ شيء عند الآخَرين. كبرياؤه يضعه في مكانٍ يظنُّ فيه أنَّه هو محور الوُجود فيَسْرُق ممَّا يعتبره حَقٌّ له، ويطمع بكلِّ ما حوله كأنَّه مرسوم له، ويستسلم للنَّشوة في نفسه دون الحاجة إلى أيِّ  آخَر في سكره، ويشتم ديَّانًا للآخَرين كَوْنَهُ هو الفَهيم والعَليم والقاضي وَحْدَهُ، ويخطف آخذًا كلَّ ما تطاله يده بالعنف والقُوَّة والقسوة لأنَّ قلبه مُتحجِّر ولا حِسَّ لديه. هذه خطايا ما أصعب أن يُخلَص منها الإنسان لأنَّها متى صارت أهواء فيه جعلته إبليس لأنَّ هذه هي صفات إبليس الَّذي سقط بسبب كبريائه وأسقط معه طغمةً مِن الملائكة دون إمكانيَّة رجعة إلى الله…

*    *    *

“أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الظَّالِمِينَ لاَ يَرِثُونَ مَلَكُوتَ اللهِ؟”. “الظَّالمون” هم الَّذين سقطوا في هذه الأهواء العشـرة الَّتي تحدَّثنا عنها أعلاه. “الظُّلم” هو المعرفة المظْلِمَة المتأتيَّة من تأليه الذَّات. الظَّالم يظُنُّ نفسه السَّيِّد والآمِر والنَّاهي في ذاته وحياة الآخَرين وفي الكَوْن، لأنَّه يغرق في ظلمة أناه الَّذي يتضخَّم فيه لدرجةٍ يظُنُّ فيها أنَّه بإزاء الخالق لا بل أعلى منه سلطة. الظُّلم درجات، لكنَّ الأخطر هو الظُّلم الَّذي يصير باسم الله وحفاظًا ودفاعًا عمَّا لله. كم غبيٌّ هو وجاهلٌ الإنسان الَّذي يقع في هذه الخطيئة والهوى لأنَّه يُصطَاد من الشَّيطان “عن اليَمين” فيظنُّ أنَّه هو الله الكُلِّيّ القدرة ربُّ السَّماء والأرض ويَصير يخرب خلاصه يومًا بعد يوم إلى أنْ تُظْلِم نفسه بالكُلِّيَّة، حينها يصير قلبه مملكةً للمعانِد ولا يعود من إمكانيَّةٍ لعَوْدَتِهِ لأنَّ كيانه الدَّاخليّ وقلبه وذهنه قد أظْلَمُوا بالكُلِّيَّة. ينتقل الإنسان في الظُّلم من رغبةٍ عَمْيَاء لإحقاق ما يَراه هو حقًّا إلى ظالمٍ بالطَّبيعة لأنَّ هذا الهوى يتملَّك كيانه ويصير طبيعته الحقيقيَّة فيدخل في المرارة الَّتي لا تُشفى من الآن وإلى دهر الدَّاهرين…

ومن اتَّقَى الله فلْيَتُبْ عن ضَلالِه..

+ أنطونيوس

متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما

مواضيع ذات صلة