Menu Close

نشرة الكرمة – 20 ايلول 2026

بالإيمان نخلص لا بأعمال النَّاموس

مَعَ الـمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا، لا أَنَا، بَلِ الـمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ (غلاطية ٢: ١٦-٢٠)

الآية التي تقول: “إِذْ نَعْلَمُ أَنَّ الإِنْسَانَ لا يُبَرَّرُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ، بَلْ إِنَّمَا بِالإِيمَانِ بِيَسُوعَ الـمَسِيحِ…”، ليست مجرد كلام لاهوتي عن التبرير والناموس، إنها شهادة شخصية من إنسان اكتشف في أعماق حياته حقيقة واحدة غيّرت كل شيء: أن الحياة الحقيقية ليست حياته هو، بل هي المسيح الحيّ فيه.

*         *         *

يصعق بولس الرسول سامعيه بقوله: ” الإنسان لا يُبرَّر بأعمال الناموس، بل بالإيمان بيسوع المسيح.” هذه صدمة لأهل غلاطية ولمعلميهم الذين كانوا يدعون إلى ضرورة الخضوع لشريعة موسى للدخول في المسيحية واقتناء الخلاص. ما هو التبرير؟ إنه أن يقف الإنسان أمام الله مقبولاً، غير مدان، في علاقة سليمة معه. وهذا ما يسعى إليه كل إنسان لأن العلاقة الصحيحة مع الله هي الغاية العميقة لكل وجود. والسؤال الجوهري هو: كيف نصل إلى هذا التبرير؟ الجواب الذي يحمله العالم كله هو: بالعمل، بالاجتهاد، بالتقوى، بحفظ الوصايا، بتراكم الحسنات، كأن الإنسان يبني جسرًا نحو الله حجراً فوق حجر، وعملًا فوق عمل، حتى يبلغ الضفة الأخرى. ما يقوله الرسول بولس بهذا الخصوص هو أنّ هذا المشروع محكوم عليه بالفشل منذ البداية. ليس لأن الناموس خاطئ، فالناموس جيد ومقدس؛ بل لأن الإنسان بطبيعته، ذوي الجسد كما يقول بولس، لا يستطيع أن يحفظه بالكمال المطلوب. الناموس يكشف الخطيئة، لكنه لا يشفيها. يُضيء الجرح، لكنه لا يداويه. يُعرِّف الإنسان بمرضه، لكنه لا يملك الدواء. الدواء جاء من الله في شخص ابن الله المتجسّد يسوع المسيح الذي قبِل أن يحمل ما لا يستطيع الإنسان أن يحمله، وأن يُعطي ما لا يستطيع الإنسان أن يكسبه. التبرير إذن ليس إنجازًا بشريًّا، بل هو هبة وعطية مجانيّة من الله، فهو ليس ثمرة جهدي، بل ثمرة محبة الله لي. وهذا ما يعنيه الإيمان هنا: ليس مجرد الاعتقاد الفكري بأن المسيح موجود، بل هو الاتكال الكامل عليه وحده، وأنني أنا بذاتي لست قادرًا أن احقّق الخلاص والبِرّ…

*         *         *

يطرح بولس سؤالًا دقيقًا ومهمًّا: “إن كنا، ونحن طالبون التبرير بالمسيح، وُجدنا نحن أًيضًا خطأة، أفيكون المسيح إًذً خادمًً للخطيئة؟ حاشى.” هذا السؤال يجيب على اعتراض كان يسمعه بولس: “إذا قلت إن الخلاص بالإيمان لا بالأعمال، فأنت تفتح الباب أمام الإنسان ليتهاون في الوصايا ويعيش في الخطيئة مطمئنًّا.” وجواب بولس جوهري: من فهم التبرير بالإيمان فهمًا حقيقيًّا، لا يجد فيه تسهيلًا للخطيئة، بل دافعًا عميقًا ليعيش حياة جديدة. لأن من أدرك أن المسيح أحبه وبذل نفسه عنه، لا يريد أن يعود إلى ما كان عليه. لا يريد أن يبني ما قد هدم. إن من يعيش في نعمة المسيح ويعود متعمدًا إلى الخطيئة، إنما يتناقض مع الحياة الجديدة التي أُعطيت له “أجعل نفسي متعديًا”كما يقول بولس، فلكي لا أعود إلى التعدي وإلى الإنسان العتيق الذي هو تحت الناموس عليّ أن أُدرك بأنّي مع المسيح صُلبت، فأحيا، لا أنا، بل المسيح يحيا فيَّ.” هذا يعني أن الإنسان القديم، ذاك الذي كان يحيا لنفسه ومن نفسه وبنفسه، قد مات. الصلب هنا هو موت الأنانية، موت الاكتفاء الذاتي، موت الوهم بأنني أستطيع وحدي أن أحقق خلاصي. هذا الموت مستمرّ ومتكرِّر كل يوم من حياتي، في كل مرذة أختار أن أتخلى فيه عن إرادتي وأسلّمها للمسيح، حينئذ “أحيا، لا أنا، بل المسيح يحيا فيّ”، والمفارقة أن هذا الموت لا يُفضي إلى الفناء والبِلى بل إلى الحياة الحقيقية الأبديَّة حين يصير المسيح حياتي. هذا يعني أنني أنا ما زلت موجودًا، ما زلت شخصًا حقيقيًّا بإرادتي وعقلي ومشاعري، لكن مركز حياتي صار المسيح لا “الأنا”. لم أعد أدور حول نفسي، بل صار المسيح محور حياتي… هذا هو سر الحياة المسيحية. ليس تقليد المسيح من الخارج، ولا محاولة الوصول إلى معايير أخلاقية رفيعة، بل هو السماح له بأن يحيا فيَّ من الداخل، أن يسكن فيّ بروحه القدوس فيصير هو الفاعل في داخلي، هو أناي وكلّ مشيئتي…

*         *         *

يا أحبّة، هذا كلّه يقودنا إلى قول الرسول: وما لي من الحياة في الجسد أنا أحياه في الإيمان بابن الله الذي أحبني وبذل نفسه عني.” يعلّمنا بولس هنا بأنه لو كان هو وحده في هذا العالم، لكان المسيح قد مات من أجله هو. هذه الشخصنة في الإيمان هي قلب الإيمان المسيحي. المسيحية ليست أيديولوجيا عامة عن الحب والخير والمساواة، هي علاقة شخصية مع شخص أحبني أنا بالاسم، وبذل نفسه عني أنا بالذات. الجماعة الكنسيّة تتحقَّق حين يبني كلّ شخص علاقة إيمانه بالله وبالآخَرين في حقّ الإنجيل وتعليم الكنيسة، لذلك نحن نتلو دستور الإيمان بصيغة المفرد “اؤمن” وليس بصيغة الجمع، لأنّي إن لم أعرف المسيح مخلصي شخصيًّا فأنا لا أحبّه ولا افتح له كياني ليستقرّ فيه. وحين يقف الإنسان أمام هذه الحقيقة ويدركها بالعمق، لا يعود في حاجة إلى ناموس خارجي يُلزمه بالعطاء — لأن المحبة ذاتها تُصبح الناموس الداخلي الجديد – ناموس المسيح – الذي يحرّك كل شيء. إنّ هذا المقطع هو دعوة لنا جميعًا لأن نتوقف ونسأل أنفسنا: من أو ما هو مصدر حياتي؟ وحول من أو ما تدور؟ هل أنا ما زلت أحيا من نفسي ولنفسي، والمسيح عنصر ثانويّ بالنسبة لي في حياة أنا أرسمها؟ أم أنني قبلت أن أُصلَب مع المسيحوأن أصلب مشيئتي العتيقة وأن أموت عن الأنا، وأفتح الباب للحياة الجديدة التي هو مركزها؟ الإيمان الحقيقي هو “التي لك مما لك نقدمها لك عن كل شيء ومن جهة كلّ شيء”، ليُعيدها إليَّ حياة مملوءة بالنعمة الإلهيّة والنور السرمدي أن تسكن حياته هو فيَّ. وهذا التحول، من الأنا إلى المسيح، هو ما دعاه بولس التبرير بالإيمان. وهو ما ندعوه نحن بالخلاص أو التالّه، وهو ما كانت الكنيسة تُعيشه منذ بدايتها في الأسرار المقدسة، في الإفخارستيا، في المعمودية، في كل لقاء حقيقي مع الرب الحيّ، الذي أحبني وبذل نفسه عني.”

ومن له أذنان للسمع فليسمع.

+ أنطونيوس

متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما

مواضيع ذات صلة