نشرة كنيستي- الأحد (22) بعد العنصرة- العدد 44
الأحد 01 تشرين الثاني 2026
اللَّحن 5- الإيوثينا 11
كلمة الرّاعي
المحبَّة والمواِهب في جسد المسيح
“أنتم جسدُ المسيح وأعضاؤهُ أفرادًا” (1 كو 12: 27)
الكنيسة جسد المسيح، وفي الجسد أعضاءٌ كثيرة تعمل معًا بانسجامٍ وتناغمٍ وتكامُل. إنْ تَضَرَّرَ عضو تضرَّر كلُّ الجسد. وإنْ كان لبعض الأعضاء دورٌ أهمّ مِن غيرها، فإنَّ كلَّ عضوٍ وَضَعه الله ليقوم بوظيفةٍ مُعَيَّنة حتَّى يكتمل عمل الجسد. مِن هنا لا يجوز أن نُقَلِّل مِن أهميَّة أيّ عضو مهما كان صغيرًا أو غير منظور، لأنَّ غياب دوره يُخِلُّ بكمال الجسد. الكنيسة جسد المسيح — أي كلُّنا مُكرَّسون لخدمة هذا الجسد، وهذا الجسد مُكَرَّس لخدمة الخليقة للخلاص. وتاليًا كلّ عضوٍ مِن أعضاء الجسد مُنْخَرِط في ورشة الخلاص، ومطلوبٌ أن يَقوم بدوره لتكتمل الشَّهادة والرِّسالة. فالكنيسة مؤسَّسة إلهيَّة — إنسانيَّة، وهي صورةُ سرِّ الله المثلَّث الأقانيم في العالم، ومطرح تَجَلِّي عمل الله ومجده لخلاص الخليقة: “فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الْخَلِيقَةِ تَئِنُّ وَتَتَمَخَّضُ مَعًا إِلَى الآنَ” (رو ٨: ٢٢) في انتظار التَّبنّي والفِداء — “إذْ نحن خلصنا بالرَّجاء الَّذي نتوقَّعه بالصَّبر” (رو ٨: ٢٤). وقد عبَّر القدِّيس إيريناوس أسقف ليون عن هذه الحقيقة بصورةٍ بالغةِ الجمال حين قال: “مجدُ الله إنسانٌ حَيّ، وحياة الإنسان رؤية الله”. فكلّ عضوٍ في جسد المسيح حين يَحيا موهبته بأمانةٍ إنَّما يُمجِّدُ الله ويجعل الكنيسة مرآةً لمجده في العالم.
* * *
حتَّى نعيش وَحدة الجسد علينا أن نعيش في وَحدة الرُّوح، فالرُّوح واحدٌ والمواهب متنوِّعَة في خدمة الجسد الواحد (راجع ١ كو ١٢: ٤). الرُّوح هو الَّذي يقود المواهب ويُفعِّلها في الجسد — ولذلك إنْ لم يكن الرُّوح المحرِّك واحدًا فالجسد إلى انقسام، وتصير المواهب حينها مصدر تشرذُم ومنافسة سلبيَّة لإثبات الذَّات والسَّيطرة، لا لتحقيق تكامل الجسد. الرُّوح القُدس روحُ سلامٍ لا روحُ خصام، روح تواضعٍ لا روح كبرياء، روح بَذْلٍ لا روح بخل، روح فرحٍ لا روح حزن، روح رجاء لا روح يأس، روح وَحدة لا روح تحزُّب. الرُّوح القدس هو مصدر الحُبّ الإلهيّ ومحقِّقه في الكنيسة — جسد المسيح. وقد أدرك القدِّيس باسيليوس الكبير هذه الحقيقة حين تكلَّمَ في كتابه “في الرُّوح القدس” عن أنَّ الرُّوح لا يُفرِّق بل يَجمع، لا يُشتِّت بل يُوحِّد، لأنَّه ينبثق من الآب ويستريح على الابن في وَحدة الحُبِّ الإلهيّ الأزليّ. فحين يعمل الرُّوح في الجماعة تتنوَّع المواهب دون أن تتنافَر، لأنَّ مصدرها واحدٌ وغايتها واحدة.
* * *
المنافسة بين المواهب في الكنيسة مباركة طالما أنها صادرة عن محبَّة الله وطاعته لأجل الخدمة، لكنها تصير مصدراً للشقاق حين تصدر عن الأنانية والكبرياء وحب الذَّات. وحتى نقتني هذه المحبَّة علينا بالتطهر بواسطة التوبة الدؤوبة والصلاة الحارة والسيطرة على الإرادة عبر قمع الجسد واستعباده للمشيئة الإلهية — “بل أقمع جسدي وأستعبده” (١ كو ٩: ٢٧) — لاقتناء الحرية بالرُّوح. لذلك، يجب الحذر من أن الموهبة حين تنفصل عن التواضع تتحول إلى فخ، قائلاً بمعنى كلامه إن أخطر ما يُصيب النفس هو أن تُعطى موهبة روحية ثم تَنسى من أين جاءت، فتظن أنها ملكها فتهلك بما أُعطيت. الموهبة الحقيقية هي التي تجعل صاحبها أكثر تواضعاً لأنه يرى بوضوح كم هو صغير أمام عظمة ما وُكِل إليه.
* * *
يا أحبَّة، كلُّ مؤمنٍ في جسد المسيح له دورٌ ورسالة، ولا يحقِّق معنى وجوده — أي قداسته — إلَّا بمقدار ما يُفعِّل هذا الدَّوْر بمشيئته. المشيئة الذَّاتيَّة تأخذ دفعها الأوَّل من الإيمان ومحبَّة الله، ومحبَّة الله تُقوِّم محبَّة الذَّات، ومحبَّة الذَّات القويمة هي امتدادٌ نحو الآخَر بعطاء النَّفْس، وعطاء النَّفْس للآخَر هو محبَّة الله فوق كلّ أحد وشيء وقبل كلّ أحد وشيء. وهذا يعني إخلاءً للذَّات وحرِّيَّة داخليَّة واستقرارًا للنِّعْمَة في القلب — أي أنَّ الرُّوح القدس صار يُهَيْمِن على الإنسان، فيصير حينها خليقةً جديدةً ويصح فيه ما قاله الرَّسُول عن المحبَّة بأنَّها “لا تسقط أبدًا” (راجع ١ كو ١٣: ٤-٨). وقد عَبَّرَ القدِّيس إغناطيوس الأنطاكيّ — أسقف أنطاكيا وشهيدها — عن هذا التَّكامُل بين المواهب بصورةٍ بليغة حين كتبَ في رسالته إلى أهل أفسس: “كما ينبغي لأوتار القيثارة أن تتناغم، هكذا ينبغي لكم أنْ تتَّحِدوا في فكرٍ واحدٍ وغناءٍ واحدٍ مع أسقفكم وشيوخكم وشمامسة”. فالتَّناغم لا يعني التَّطابُق — بل هو تنوُّع الأصوات في خدمة لحنٍ واحد. وهذا بعَيْنِهِ ما يقوله بولس في حديثه عن المواهب: لا صوت واحد يلغي الآخَرين، بل أصوات متعدِّدة في خدمة سيمفونيَّة الرُّوح الواحدة.
التَّنظيم الكَنَسيّ في هذا المفهوم ليس غايةٌ في ذاته، بل هو إطارٌ لتفعيل المواهب في جسد المسيح حتَّى يصير كلُّ عضوٍ إيقونةً للجسد وكلّ الجسد فاعلًا في العضو. وبتكامل المواهب بين الأعضاء تكتمل البشارة ونصل جميعًا معًا إلى “قامة ملء المسيح” (أف ٤: ١٣).
ومن له أذنان للسَّمْع فليسمع…
+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما