نشرة كنيستي- الأحد (17) بعد العنصرة- العدد 39
الأحد 27 أيلول 2026
كلمة الرّاعي
المؤمنُ والعُشور والعطاء
“هاتوا جميعَ العُشورِ إلى الخزنةِ… وجرّبوني بهذا، قال ربُّ الجنود،
إن كنتُ لا أفتحُ لكم كُوى السماوات، وأُفيضُ عليكم بركةً حتّى لا توسَع” (ملاخي ٣: ١٠).
تعتقدُ الأغلبيَّةُ من المسيحيِّين في بلادِنا أنَّ التَّعشيرَ شريعةٌ قديمةٌ وأنَّهم تاليًا أحرارٌ منها، لذلك ترى البعض يقدِّمون بفرحٍ وكرم، وآخرون النَّذرَ اليَسيرَ، وبعض آخَر قليلًا ممَّا يفضلُ عنهم، ولربَّما يوجد من يَمُنِّنُ الرَّبِّ والكنيسةِ على ما يقدِّمون، في قلوبِهم أو علنًا. لقد نَسِيَ كثيرون منَّا مفهومَ البركة، وأنَّ كلَّ ما للإنسانِ هو عطيَّةٌ من الله، رغمَ أنَّ إيمانَنا واضحٌ في قولِنا في القدّاسِ الإلهيّ: “الَّتي لكَ ممَّا لكَ نقدِّمُها لك…”؛ أي أنَّ كلَّ ما للإنسانِ هو من الله، فحتَّى حياةُ الإنسانِ ليست مُلكًا له، بل هي أمانةٌ من العَليّ. لذلك يقولُ الرَّبُّ بلسانِ نبيِّه ملاخي: «أيَسلُبُ الإنسانُ اللهَ؟ فإنَّكم سلبتُموني. فقلتُم: بِمَ سلبناك؟ في العُشورِ والتَّقدِمة. قد لُعِنتُم لعنًا، وإيّاي أنتم سالبونَ، هذه الأمّةُ كلُّها» (ملاخي ٣: ٨ و٩). فأينَ نحنُ اليومَ ممَّا يطلبُه اللهُ منّا؟
* * *
مَن يحبُّ اللهَ يُعطي ذاتَه بالكلّيّةِ له. أمَّا مَن يُحاسِبُ اللهَ على ما يقدّمُه، مُنتظِرًا العِوَضَ في هذا العالم، فقد يَنالُ ما طلبَ هنا، لكنَّه يُضيِّعُ أجرَه السَّماويّ؛ إذْ يأخذُ نصيبَه في هذا العالمِ فقط. ومن النَّاس مَن يُعطي ليَنالَ تقديرًا أو تمجيدًا من النَّاس، وهذا قد استَوْفَى مكافأتَه منهم، فلا يبقى له عند اللهِ رصيد. أمَّا الحكيمُ فهو الَّذي لا تعرفُ شمالُه ما تفعلُ يمينُه (راجع متّى ٦: ٢–٤)، لأنَّ هذا يُجازيه الرَّبُّ في هذا العالمِ أضعافًا مضاعفة، وفي الدَّهرِ الآتي حياةً أبديَّةً ومجدًا.
إنَّ فكرةَ العطاءِ حينَ تُربَطُ بالمكافأةِ أو بالتَّعويضِ المقابلِ تَخسرُ قيمتَها الرُّوحيَّة، فتصيرُ عملًا اجتماعيًّا حسنًا لكن لا ثمرَ له في القلب، ولا يؤدِّي إلى نموِّ الإنسانِ في محبَّةِ الله. فمن يفعلُ الصَّالحاتِ لِيراهُ النَّاس يصنعُ خيرًا اجتماعيًّا، لكنَّه بلا ثمرٍ روحيّ (راجع متّى 6: 1 – 4)؛ إذ النُّموُّ الرُّوحيُّ مرتبطٌ بأن تكونَ أعمالُنا للهِ ومنظورةً في سرِّ محبَّتِه وعبادتِه، في حينِ أنَّ النُّموَّ الاجتماعيَّ مرتبطٌ بتقديرِ الآخَرينَ وموقفِهم. والإنسانُ حرٌّ أن يختارَ أيَّ ثمرةٍ يريد.
* * *
قد يخافُ بعض النَّاس من العطاء، لكن على المؤمنِ ألَّا يخاف؛ لأنَّ الَّذي قال: “أيضًا كنتُ فتًى وقد شِختُ، ولم أرَ صِدِّيقًا تُخُلِّيَ عنه، ولا ذُرّيّةً له تلتمِسُ خبزًا” (مزمور ٣٧: ٢٥)، والَّذي رأى الأرملةَ تضعُ في خزنةِ الهيكلِ وقال لتلاميذِه عنها: “بالحَقِّ أقولُ لكم إنَّ هذه الأرملةَ الفقيرةَ ألقَتْ أكثرَ من الجميع. لأنَّ هؤلاءِ من فضلتِهم ألقَوا في قرابينِ الله، وأمَّا هذه فمن إعوازِها ألقَتْ كلَّ المعيشةِ الَّتي لها” (لوقا ٢١: ٣ و٤)، هو أمينٌ على تحقيقِ كلمتِه: بأنَّ “كلَّ مَن له يُعطى فيزداد، ومَن ليس له فالَّذي عندَه يُؤخَذُ منه» (متَّى ٢٥: ٢٩). فمن له الإيمانُ والثِّقةُ باللهِ وبكلمتِه يُزادُ دومًا من كلِّ نعمةٍ وبركةٍ وعطيّةٍ وقوّة.
وفي حادثةِ الأرملةِ عزاءٌ لكلِّ ذي دَخلٍ محدود: فإنّ الرَّبَّ لا يزنُ مقدارَ العطيَّة، بل أمانةَ القلبِ وسخاءَه بالنِّسبةِ إلى ما في اليد. فليس المطلوبُ نسبةً محدَّدةً تُثقِلُ الفقير، بل قلبٌ يُعطي بفرحٍ وحرِّيَّةٍ وامتنان، كما يقولُ الرَّسولُ بولس: “كلُّ واحدٍ كما ينوي بقلبِه، لا عن حزنٍ أو اضطرار، لأنَّ المُعطيَ المسرورَ يحبُّه الله” (٢ كورنثوس ٩: ٧). فالعُشرُ في جوهرِه ليس فريضةً تُحسَبُ بالحساب، بل ثمرةُ شُكرٍ للهِ الَّذي منه كلُّ عطيّة.
* * *
يا أحِبَّة، لِنَكُن مبشِّرين بنعمةِ اللهِ وخلاصِه، ولنَعِشْ إيمانَنا بالفعلِ والقولِ لا بالتَّنظيرِ والتَّقتيرِ على الله. لنَعُدْ إلى العيشِ ببركتِه، ولنؤمنْ أنَّ مَن يُطيعُ الوَصيَّةَ يحصدُ بركاتٍ لا تُحصى، روحيَّةً ومادِيَّة. اللهُ محبٌّ ورحيم، وقد بذلَ ابنَه الوحيدَ لأجلِ خلاصِ العالم؛ وهو لا يطلبُ عطاءَنا لحاجةٍ فيه، بل لينمُوَ قلبُنا في محبَّتِه. فمقياسُ نموِّنا وإيمانِنا هو العطاءُ الَّذي هو تدريبٌ على بذلِ الذَّات؛ ومن يخافُ أن يفقدَ نفسَه بالعطاءِ لن يجدَها، “فإنّ مَن أرادَ أن يُخلِّصَ نفسَه يُهلِكُها، ومَن يُهلِكُ نفسَه من أجلي ومن أجلِ الإنجيلِ فهو يُخلِّصُها” (مرقس ٨: ٣٥). فإذا كان الرَّبُّ يريدُنا أن نُعطيَه قلبَنا، أي حياتَنا كلَّها، فهل كثيرٌ عليه أن نقدِّمَ له عُشورَ ما يمنُّ به هو علينا من خيرات؟!…
ومن له أذنانِ للسَّمعِ فليسمعْ…
+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما