Menu Close

نشرة كنيستي- الأحد (5) من الصّوم (البارّة مريم المصريّة)- العدد 14

02 نيسان 2023

كلمة الرَّاعي

العفّة وجهاد التّوبة

نموذج القدّيسة مريم المصريّة

يُصوِّر لنا العالم المعاصر أنّ الحرِّيَّة تعني التَّحرُّر الجنسيّ. لكنّ الحقيقة هي أنّ العفَّة هي الحرِّيَّة. هنا يأتي نموذج القدّيسة مريم المصريّة ليكون تحدِّيًا لفكر هذا الزّمنونَهْج الحياة فيه.

البارّ ليس من لا يخطئ بل من يتوب، هذا ما يقوله لنا سفر الأمثال إنّ “الصِّدِّيقَ يَسْقُطُ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَيَقُومُ، أَمَّا الأَشْرَارُ فَيَعْثُرُونَ بِالشَّرِّ” (أم 24: 16). المهمّ هو التَّحوّل في حياة الإنسان، أي أن يغيِّر طريقه وفكره. الصُّعوبة هي في الوصول إلى نقطة التَّحوّل، لأنّ الخطيئة والأهواء والشَّهوات تُشِلُّ الإنسان وتجعله عاجزًا عن القيام بأيّة حركة للتّحرُّر. لذلك، وللأسف، حتّى يستطيع الإنسان أن ينطلق في أوّل خطوةِ ثورةٍ على مواتيّة الخطيئة والهوى هو يحتاج دفعة قويّة، وهذه إمّا أن تكون ألمًا ناجمًا عن مرض أو خسارة أو انكسار، أو استيقاظًا من نشوة شهوات الموت واكتشاف طبيعة الأهواء القاتلة للنَّفْس بلطف الله ومحبّيه.

لحظة التَّحوّل عند مريم المصريّة كانت حين لمست أنّها لا تستحقُّ أن تقتني بركة الله بسبب فجورها وغَيِّها وضلالها. لا شكّ أنّ شيئًا في لاوعيها كان يعمل باستمرار ليذكّرها بالله، لكنَّها لم تكن لِتَستجيب أيّ نداء داخليّ بسبب قوَّة خَدَر الشّهوات والأهواء وتسلّطها عليها.

*          *          *

الَّشيطان يُغرينا بالمِتَع الدُّنيويَّة، الَّتي ليست بحدّ ذاتها ممنوعة، كَوْن الله أعطانا كلّ ما أعطانا لنتمتّع به ولكن ليس لنحتكره أو يستعبدنا أو نحيا فقط لأجله. كلّ متعة تتحوّل إلى فرح في شركة المحبَّة لأنَّها بهذا تتحرّر من الأنانيّة…

كلّ إنسان في هذا العالم معرَّض لخطر السُّقوط في عبوديّة المادّيّات على أنواعها، لأنّ الأنانيّة والفردانيّة تتحكّم بإنسان السّقوط. فقط المسيح هو الَّذي جسَّد بشكل كلّيّ ومطلق الحبّ اللَّامتناهي أي الَّذي هو بذلٌ لا حدود له غير مشروط، هو نهر دفّاق من المحبَّة الفاعلة في عطاء الذّات الكلّيّ.

كلّ شهوة تجعل الإنسان ينغلق على نفسه، وتدفعه إلى جعل الآخَر أداة ووسيلة للوصول إلى مبتغياته الأنانيَّة.

شهوات الجسد هي النَّتيجة الحتميَّة لكلّ هوًى آخَر يتسلّط على الإنسان. لذلك، التَّحرُّر لا يمكن أن يصير دون ضبط الجسد وحركاته، والتّدريب على هذا يتمّ في الصِّيامات المقرونة بالصَّلوات وكلّ نسك جسديّ مرافق لها.

مريم المصريّة، عندما أدارت ظهرها لحياتها السَّالفة، لم تعد تلتفت إلى الخلف، وتركت كلّ شيء وذهبت إلى برِّيَّة الأردن حيث عاشت في نسك شديد. هذه القوّة أتَتْها من نعمة الله، وهي استفادت من زَخْمِ النِّعْمَة لتدمِّر البنيان الرُّوحيّ المريض وتبني حياتها الجديدة على الصَّخرة الّتي هي المسيح. هذا ما هو مطلوب مِنْ كلِّ تائبٍ ومن كلِّ راغبٍ بالتَّحوُّل إلى مسيحٍ صغير…

*          *          *

أيُّها الأحبّاء، في العالم مُغرياتٍ كثيرة، والخطيئة لذيذة وجميلة ومُغْرِيَة، وهي تقود الإنسان إلى الخَدَر الرُّوحيّ أي عدم القدرة على التّوبة والتّغيُّر. لابُدّ للإنسان من الانتفاض على واقعه قبل أن يفقد كلّ قدرة على ذلك. لِيُعينَ الرَّبُّ إنسانًا، عليه أن يطلب أي أن يريد، كما عليه أن يتّضع، وأيضًا عليه أن يصلّي ويصوم ويخدم ويعطي ليتعلّم التَّحرُّر من الأنانيّة واللُّجوء إلى الله والاتِّكال عليه.

زمن الصَّوْم فرصة عظيمة ومناسِبَة لكلّ مؤمن لينطلق في جهاد التّحرُّر من عبوديّة الشَّهوات والأهواء. لكن، لسلوك هذا الطّريق يجب أن تنوجد الإرادة والقوّة الدّافعة المولِّدة للزَّخم في الجهاد الرُّوحيّ.

مَنْ التَصَقَ بالرَّبِّ في الصَّلاة، وطلبه في صوم الشَّركة أي في عيش الصَّوْم كحياة شركة ومشاركة، يتّضع وينكسر كبرياؤه ويمقت أنانيّته ويمتدّ من خلال الوصيّة نحو الله والقريب. هذا يتطلّب جهادًا لعيش عفّة الفكر والقلب والجسد، الّتي تؤدِّي إلى خبرة السَّلام الدَّاخليّ والحرِّيَّة أيْ عَيْش المحبّة دون قيود أو خوف، لأنّ الحرِّيَّة المُعطاة مِنَ الله توطّد المسالمة بين النَّاس والله والكون…

هكذا يختبر الإنسان صَلْبَ إنسانه العتيق وموته وقيامة إنسانه الجديد في المسيح النَّاهض من القبر…

مريم المَصْرِيَّة نموذج أعلى للتَّائبين لأنّها أيقونة رجاء الخطأة بإزاء رحمة الله اللَّامُتناهية وحنانه على التّائبين الرَّاجعين إليه. الحياة الجديدة تحتاج مخاضًا قبل حصول الولادة… ها نحن في زمن المخاض فهل من يرغب بولادة جديدة؟!…

ومن له أذنان للسَّمع فليسمع

+ أنطونيوس

مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما

 

مواضيع ذات صلة