نشرة كنيستي- الأحد (18) بعد العنصرة – العدد 41
12 تشرين الأوَّل 2025
كلمة الرّاعي
زرع الكلمة وثمار الرُّوح
أيُّها الإخوة والأخوات، تُعيِّد الكنيسة المقدَّسة في هذا الأحد لآباء المجمع المسكونيّ السَّابع، وتَتْلو علينا مثل الزَّارع (لوقا 8: 5–15) الَّذي يكشف لنا حركة كلمة الله في العالم من خلالنا نحن المؤمنين. فالزَّارِع خرج ليزرع كلمته، والكلمة هي نفسها للجميع، لكنَّ ثمرتها تختلف بحسب الأرض الَّتي تسقُط فيها. وهنا يظهر سِرُّ الحرِّيَّة الَّذي منحه الله للإنسان: فالقلب قد يكون طريقًا قاسيًا، أو صخرًا يابسًا، أو أرضًا مملوءةً أشواكًا، أو تربةً صالحة تحتضن الكلمة وتنمِّيها. يقول القدِّيس يوحنَّا الذَّهبيّ الفَم: “ليس الفرق في البذار ولا في الزارع، بل في الأرض الَّتي تقبل الزَّرع. فالَّذين لا يؤمنون لا يُلام الله لأجلهم، بل هم أنفسهم الَّذين لم يفتحوا قلوبهم للكلمة”. إذًا، النَّتيجة المتعدِّدة للزَّرع ليست في الكلمة الَّتي تُبشَّر، بل في كيفيَّة استقبالنا لها أو بالأحرى في أرضيَّة قلوبنا الَّتي تستقبلها. الله يفيضُ نعمتَه بسخاءٍ على الجميع ولا يحرم أحدًا من كلمته، لكنَّ ثمرة النِّعْمَةِ تُقاس باستعداد القلب.
* * *
في هذا المثل، الَّذين على الطَّريق هم الَّذين يسمعون الكلمة بآذانهم دون أن تدخل قلوبهم، فيأتي إبليس سريعًا لينزع ما زُرع، فيبقى القلب فارغًا. فهؤلاء قلوبهم أرض لا تُعطي ثمار ولا تصلح للزَّرع، مثل الطَّريق الَّتي تدوسها أرجل كثيرين، لذلك يشبهون، بحسب القدِّيس باسيليوس الكبير، “أرضًا مداسًا قاسيًا لا تحتفظ ببذرة لأنَّها لم تُحرَث بالتَّوبة ولا تُسقى بالدُّموع”. أمَّا الَّذين على الصَّخر فهم الَّذين يقبلون الكلمة بفرحٍ أوَّليّ، لكنَّهم يذبلون سريعًا عند أوَّل تجربة، لأنَّهم بلا جذورٍ عميقة، وبالحقيقة قلوبهم قاسية لا تسمع للبذار أن تمتدَّ جذورها. يقول القدِّيس كيرلُّس الإسكندريّ: “هؤلاء يبدون متحمِّسين، لكنَّ الإيمان لم يتجذَّر فيهم بالصَّلاة والجهاد الرُّوحيّ، لذلك يسقطون حين تأتي الضِّيقات”. أمَّا الَّذين في الشَّوْك فهم الَّذين يسمعون لكنَّ هموم الحياة وغِناها وشهواتها تخنق الثَّمرة فلا تستطيع أن تكبر وتعيش بل تموت لأنَّ الأشواك تأخذ طاقتها وغذاءها. القدِّيس غريغوريوس بالاماس يعلِّق قائلًا: “ليست الضَّرورات اليوميَّة هي الَّتي تضرّ، بل انغماس القلب فيها بلا اعتدال، فيُثقل ولا يعود قادرًا أن يُثمر”.
أمَّا الأرض الجيِّدة فهي القلب الَّذي يُنقَّى بالتَّوبة، ويُسقَى بالنِّعْمَة، ويُزرَع فيه الإنجيل كلمةَ حياةٍ فيُثمر ثمارًا مضاعفة. ولكي تبقى الأرض صالحة للزَّرع يجب تنقيتها بشكلٍ دائمٍ وحرثها، وهذه هي حياة الجهاد الرُّوحيّ لتطهير القلب من الأهواء والشَّهوات والخطايا الَّتي تُعيق نموّ بذار الكلمة في القلب. وهذا ما يقوله القدِّيس أنطونيوس الكبير الَّذي يشبه القلب الجيِّد بالأرض الخصبة الَّتي تحتاج حراثةً دائمةً بالصَّلاة والسَّهَر الرُّوحيّ، وسقي مستمرّ بكلمة الله والأسرار المقدَّسة، يقول: ” إذا نقّيتَ قلبك من الأهواء، جاء المسيح وسكن فيه، فيصير قلبك حديقةً مثمرةً للرُّوح”.
* * *
يا أحِبَّة، هذا المثل ليس قصَّة قديمة يأخذ الإنسان منها عبرة أخلاقيَّة، بل هو اختبارٌ روحيّ عميق نعيشه يوميًّا. فكثيرًا ما نسمع كلمة الله في الكنيسة، أو نقرأ الإنجيل، أو نُصغي إليها في الصَّلاة، لكنَّ السُّؤال المطروح على ضمائرنا هو: أين تسقط هذه الكلمة في داخلنا؟ وهل قلوبنا أرض صالحة لاستقبالها؟ هل تُداس على طريق لا مبالاتنا؟ أم تذبل على صخرة سطحيَّتنا؟ أم تُخنَق في أشواك همومنا وانشغالاتنا ومخاوفنا وملذَّاتِنا وأهوائنا؟ أم تجد قلبًا متواضعًا متخشِّعًا مفتوحًا على التَّوبة، صبورًا على الجهاد، مثمِرًا في الرُّوح القدس؟!… الرَّبُّ يؤكِّد لنا بأنَّ “الَّذين يسمعون الكلمة ويحفظونها في قلبٍ جيِّدٍ صالحٍ، يثمرون بالصَّبر”. والصَّبر هنا ليس انتظارًا سلبيًّا، بل هو جهاد يوميّ لحفظ الكلمة في قلوبنا وحياتنا وثباتٌ في السَّعي حتّى النِّهاية. فالقداسة لا تتحقَّق بلحظةٍ عاطفيَّةٍ عابِرَة، بل بمثابَرةٍ متواصلة، كما يقول القدِّيس إفرام السُّريانيّ: “الكلمة الَّتي تُزرَع في القلب تحتاج إلى مطر الدُّموع ونور الوصايا لتثمر بفرح”. بكلام آخَر نحتاج نعمة الله لتحرِّكَ قلوبَنا إلى التَّوبة بواسطة إرهاصات الكلمة في حياتنا اليوميَّة من تواضعٍ ووَداعةٍ وانسحاق ودموع وصلاة… حتَّى نترجم الكلمة حياةً في يوميّاتِنا في العائلة والمجتمع والعمل والتَّجارب الَّتي نواجهها…
يا أحِبَّة، لنجعل من قلوبِنا أرضًا جيِّدةً تستقبل زرع المسيح وتُثمِرُ ثمارًا مضاعفة ليتمجَّد الله فينا كما تمجَّد في آباء المجمع المسكونيّ السَّابع الَّذين أوضحوا إيماننا بإكرام إيقونات الرَّبّ والقدِّيسين، ولنجعل هذه الثِّمار ظاهرة في العائلة، في العمل، وفي المجتمع، حتَّى يصبح الإنجيل ليس كلماتٍ مسموعةٍ فقط، بل حياة معاشة، تشهد أنّ المسيح هو الزَّارع وهو البذار وهو الثَّمر.
ومن له أذنان للسَّمع فليسمع!…
+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما