Menu Close

نشرة كنيستي- الأحد (20) بعد العنصرة- العدد 43

26 تشرين الأوَّل 2025

كلمة الرّاعي 

التَّجنُّد للرَّبّ

كجنديّ صالحٍ ليسوعَ المسيح” (2 تي 2: 3)

يكتب الرَّسول بولس إلى تلميذه الحبيب تيموثاوس ليودِع في قلبه وصيَّة الحياة ونَهج الرِّسالة. “تَقوَّ في النِّعْمَةِ الَّتي في المسيح يسوع”، يقول له. إنَّها وصيَّة كلّ مرشدٍ روحيّ لتلميذه، بل هي نداء الأب الرُّوحيّ إلى أبنائه: لا تتَّكِل على قوَّتك، بل على نعمة الله الَّتي فيك. لأنَّ قوَّة الإنسان باطلة، وضعف الله أقوى من كلِّ قوى مخلوقاته مجتمعة بما لا يُقاس. يذكِّرنا القدِّيس يوحنَّا الذَّهبيّ الفم أنَّ “النِّعْمَة هي السِّلاح الَّذي لا يُقهَر، وهي المَعين الَّذي لا ينضب”، فالقوَّة الحقيقيَّة لا تأتي من الجهد البشريّ وحده، بل من اشتراك النَّفس في نبع النِّعْمَة، فالجهد البشريّ مطلوب كتعبيرٍ عن الالتزام والرَّغبة بأنْ يعمل الله في الإنسان. لذلك يوصي بولس تيموثاوس بأن يستودع هذا التَّعليم أناسًا أمناء، قادرين أن يسلِّموه إلى آخَرين، لأنَّ الإيمان الحَيّ لا يُحتكَر، بل يُورَّث بالقُدوة والتَّضحية إلى مَن هُم أهل لعيشه واختباره ونقله من خلال حياتهم…

*             *             *

المؤمن الَّذي يحمل وَديعة الإيمان يجب أن يكون كالجنديّ لا يرتبك بشؤون الحياة اليوميَّة طالما هو في خدمته، لأنَّ له هدفًا واحدًا: أنْ يُرضي مَن جَنَّده وأنْ يتمِّم مهمَّته، وهذا ما يُوصي به الرَّسول تلميذه: “احتمل المشقَّات كجُندِيٍّ صالحٍ ليسوع المسيح”. خلال الخدمة العسكَريَّة لا يحقّ للجنديّ أن يكون له أي اهتمام آخَر سوى بما أُوكِل إليه، وإلَّا يفشل وقد يخسر حياته إنْ كان في المعركة. وهذا ما يوضحه القدِّيس باسيليوس الكبير حين يقول إنَّ “المسيحيّ الحَقّ هو ذاك الَّذي يخوض معركة الفضيلة بشجاعة، فيسهر على نقاوة قلبه كما يسهر الجندي على سلاحه”، مُشيرًا إلى أنَّ التَّراخي هو العَدُوّ الأوَّل للحياة الرُّوحيَّة وهو قد يؤدّي إلى دمار الإنسان وهلاكه الأبديّ… وفي هذا السِّياق يضيف القدِّيس مكسيموس المعترف أنَّ الجهاد الشَّرعي لا يَقوم على القوَّة فقط، بل على التَّمييز والاتِّزان، لأنَّ “من يجاهد خارج الطَّاعة والاتِّضاع يجاهد باطلًا”. فالإكليل لا يُعطى لمجرَّد الجهد، بل لمن يُجاهد بحسب قانون المسيح أي في محبَّة، في غفران، وفي طاعة لإرادته الإلهيَّة. فالَّذي يطيع مسؤوليَّته على من أصدر الأمر، أمَّا مَن يطيع نفسه فهو يضع ذاته في مكان أعلى ممَّا هي حقيقته وتاليًا يأخذ قرارات في غير مكانها لأنَّه ليس بعد صاحب العلم والخبرة في هذا المقام… روحيًّا… من يتَّكل على نفسه ويطيع ذاته يخرب حياته ويخسر خلاصه…

*             *             *

الحياة المسيحيَّة حياة جهاد روحيّ موصول. المؤمن كالجنديّ أي أنَّه يجب أن يكون مستعدًّا للطَّاعة والتَّعب مهما كلَّف الأمر من تضحيات حتّى يحصد الغلبة، كذلك المؤمن هو أيضًا مثل المزارع، كما يقول الرَّسول بولس: “يَجبُ أنَّ الحارثَ الَّذي يتعَبُ أن يشتَركَ في الإثمار أوَّلًا”. فالحارث يكدّ بصبرٍ، يزرع ولا يرى الثَّمر حالًا، لكنَّه يؤمن أنَّ الله سيُعطي البركة في حينها. وكما يقول القدِّيس غريغوريوس اللَّاهوتيّ: “من يزرع بكلمة الله عليه أن ينتظر موسم الحصاد في القلوب، لا في الأيَّام”. وما هي الثَّمرة الَّتي يجهد المؤمن لاقتنائها سوى نعمة القيامة: “أُذكُرْ أنَّ يسوعَ المسيحَ الَّذي مِنْ نسلِ داودَ قد قامَ من بين الأمواتِ…”. هذه هي غاية جهادنا والكرازة لأنَّ “كلمةَ الله لا تُقيَّد”. كم هو عظيم هذا الإعلان! فالمعلِّم مقيَّد بالسَّلاسل، لكنَّ الكلمة حرَّة. الجسد يُحبس، لكنَّ النِّعْمَة تفيض. يقول القدِّيس يوحنَّا الذَّهبيّ الفَم في تفسيره لهذا المقطع: “يمكن أن تُقيَّد الأيدي، لكن لا يمكن أن تُقيَّد كلمة الله، لأنَّها تنفذ إلى كلِّ مكان، وتحطّم القيود وتُحيي القلوب”. فالمؤمن كالجنديّ يطلب الغلبة وكالحارث ينتظر الثِّمار، وهذه وتلك تحصلان بقوّة قيامة المسيح من بين الأموات الَّذي يغلب فينا ويثمر في حياتنا تشبُّهًا به في الفضائل.

*             *             *

أيُّها الأحبَّاء، هذه الرِّسالة ليست لتيموثاوس وحده، بل لكلِّ واحدٍ منا. فكلّ مؤمن مدعوّ أن يكون جنديًّا صالحًا في جيش المسيح، لا بالسِّلاح، بل بالصَّبر والمحبَّة والبذل والتَّضحية والمسامحة والاستغفار والصَّلاة والصَّوْم والسَّجدات والشَّهادة اليوميَّة. فعلى سبيل المثال، في العائلة، نكون جنودًا صالحين حين نتحمَّل بصبرٍ ضعف الآخر ونزرع السَّلام بدل الجدال؛ وفي العمل، نكون جنودًا صالحين حين نؤدّي واجبنا بأمانة لا طلبًا للمدح بل إرضاءً للَّذي جنَّدنا: المسيح؛ وفي المجتمع، نكون جنودًا صالحين حين نواجه الشَّرّ بالخير، والكراهية بالمحبَّة، واليأس بالرَّجاء. وفي الكنيسة نطلب الحصول على ثمار حراثتنا الرُّوحيَّة بنعمة الرُّوح القدس في الأسرار والصَّلوات والأصوام المختلفة وفي كلِّ عطاءٍ وخدمة نقوم بها في الخفية وفي العلن لكي يرى النَّاس أعمالنا ويمجِّدوا أبانا الَّذي في السَّماوات. إنَّ الحياة المسيحيَّة ليست كسلًا بل راحةً في التَّعب ومسيرة جهادٍ مقدَّس، فيها كَدٌّ ودموع، لكن أيضًا فرحٌ لا يُنتزَع. يقول القدِّيس إسحق السُّريانيّ: “حيث لا جهاد، لا إكليل؛ وحيث لا صليب، لا قيامة”. لذا، ليكن شعار حياتنا: “أَحْتَمِلُ المشقَّات كجنديٍّ صالحٍ للمسيح يسوع”، ولنثبت في النِّعْمَة، عالمين أنَّ كلمةَ الله لا تُقيَّد، وأنَّ الإكليل محفوظٌ لكلِّ مَن جاهد جهادًا صالحًا وحفظ الإيمان…

ومن له أذنان للسَّمع فليسمع…

+ أنطونيوس

متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما

مواضيع ذات صلة