Menu Close
270926

نشرة كنيستي

نشرة أسبوعية تصدر عن أبرشية زحلة وبعلبك وتوابعهما للروم الأرثوذكس. أعاد إطلاقها الميتروبوليت أنطونيوس في فصح ٢٠١٧.

أُنقُر على الملف لتصفُّح نشرة كنيستي

كما يمكن قراءة النص الكامل في المقطع أدناه.

الأحد (17) بعد العنصرة             

العدد 39

الأحد 27 أيلول 2026

اللَّحن 8- الإيوثينا 6

أعياد الأسبوع: *27: الشَّهيد كاليستْراتُس والـ 49 المستشهدون معه *28: القدِّيس خاريطُن المعتَرِف، النَّبيّ باروخ، القدِّيس إسحق السُّريانيّ *29: القدِّيس كرياكُس السَّائح *30: الشَّهيد غريغوريوس أسقف أرمينية العُظمى، الشَّهيد سْتراتونيكُس *1: الرَّسول حنانيا أحد السَّبعين، القدِّيس رومانُس المرنِّم *2: الشَّهيد في الكهنة كبريانوس، الشَّهيدة يوستينا *3: القدِّيس ديونيسيوس الأريوباغي أسقف أثينا.

كلمة الرّاعي 

المؤمنُ والعُشور والعطاء

"هاتوا جميعَ العُشورِ إلى الخزنةِ... وجرّبوني بهذا، قال ربُّ الجنود،
إن كنتُ لا أفتحُ لكم كُوى السماوات، وأُفيضُ عليكم بركةً حتّى لا توسَع" (ملاخي ٣: ١٠).

تعتقدُ الأغلبيَّةُ من المسيحيِّين في بلادِنا أنَّ التَّعشيرَ شريعةٌ قديمةٌ وأنَّهم تاليًا أحرارٌ منها، لذلك ترى البعض يقدِّمون بفرحٍ وكرم، وآخرون النَّذرَ اليَسيرَ، وبعض آخَر قليلًا ممَّا يفضلُ عنهم، ولربَّما يوجد من يَمُنِّنُ الرَّبِّ والكنيسةِ على ما يقدِّمون، في قلوبِهم أو علنًا. لقد نَسِيَ كثيرون منَّا مفهومَ البركة، وأنَّ كلَّ ما للإنسانِ هو عطيَّةٌ من الله، رغمَ أنَّ إيمانَنا واضحٌ في قولِنا في القدّاسِ الإلهيّ: "الَّتي لكَ ممَّا لكَ نقدِّمُها لك..."؛ أي أنَّ كلَّ ما للإنسانِ هو من الله، فحتَّى حياةُ الإنسانِ ليست مُلكًا له، بل هي أمانةٌ من العَليّ. لذلك يقولُ الرَّبُّ بلسانِ نبيِّه ملاخي: «أيَسلُبُ الإنسانُ اللهَ؟ فإنَّكم سلبتُموني. فقلتُم: بِمَ سلبناك؟ في العُشورِ والتَّقدِمة. قد لُعِنتُم لعنًا، وإيّاي أنتم سالبونَ، هذه الأمّةُ كلُّها» (ملاخي ٣: ٨ و٩). فأينَ نحنُ اليومَ ممَّا يطلبُه اللهُ منّا؟

*             *             *

مَن يحبُّ اللهَ يُعطي ذاتَه بالكلّيّةِ له. أمَّا مَن يُحاسِبُ اللهَ على ما يقدّمُه، مُنتظِرًا العِوَضَ في هذا العالم، فقد يَنالُ ما طلبَ هنا، لكنَّه يُضيِّعُ أجرَه السَّماويّ؛ إذْ يأخذُ نصيبَه في هذا العالمِ فقط. ومن النَّاس مَن يُعطي ليَنالَ تقديرًا أو تمجيدًا من النَّاس، وهذا قد استَوْفَى مكافأتَه منهم، فلا يبقى له عند اللهِ رصيد. أمَّا الحكيمُ فهو الَّذي لا تعرفُ شمالُه ما تفعلُ يمينُه (راجع متّى ٦: ٢–٤)، لأنَّ هذا يُجازيه الرَّبُّ في هذا العالمِ أضعافًا مضاعفة، وفي الدَّهرِ الآتي حياةً أبديَّةً ومجدًا.

إنَّ فكرةَ العطاءِ حينَ تُربَطُ بالمكافأةِ أو بالتَّعويضِ المقابلِ تَخسرُ قيمتَها الرُّوحيَّة، فتصيرُ عملًا اجتماعيًّا حسنًا لكن لا ثمرَ له في القلب، ولا يؤدِّي إلى نموِّ الإنسانِ في محبَّةِ الله. فمن يفعلُ الصَّالحاتِ لِيراهُ النَّاس يصنعُ خيرًا اجتماعيًّا، لكنَّه بلا ثمرٍ روحيّ (راجع متّى 6: 1 – 4)؛ إذ النُّموُّ الرُّوحيُّ مرتبطٌ بأن تكونَ أعمالُنا للهِ ومنظورةً في سرِّ محبَّتِه وعبادتِه، في حينِ أنَّ النُّموَّ الاجتماعيَّ مرتبطٌ بتقديرِ الآخَرينَ وموقفِهم. والإنسانُ حرٌّ أن يختارَ أيَّ ثمرةٍ يريد.

*             *             *

قد يخافُ بعض النَّاس من العطاء، لكن على المؤمنِ ألَّا يخاف؛ لأنَّ الَّذي قال: "أيضًا كنتُ فتًى وقد شِختُ، ولم أرَ صِدِّيقًا تُخُلِّيَ عنه، ولا ذُرّيّةً له تلتمِسُ خبزًا" (مزمور ٣٧: ٢٥)، والَّذي رأى الأرملةَ تضعُ في خزنةِ الهيكلِ وقال لتلاميذِه عنها: "بالحَقِّ أقولُ لكم إنَّ هذه الأرملةَ الفقيرةَ ألقَتْ أكثرَ من الجميع. لأنَّ هؤلاءِ من فضلتِهم ألقَوا في قرابينِ الله، وأمَّا هذه فمن إعوازِها ألقَتْ كلَّ المعيشةِ الَّتي لها" (لوقا ٢١: ٣ و٤)، هو أمينٌ على تحقيقِ كلمتِه: بأنَّ  "كلَّ مَن له يُعطى فيزداد، ومَن ليس له فالَّذي عندَه يُؤخَذُ منه» (متَّى ٢٥: ٢٩). فمن له الإيمانُ والثِّقةُ باللهِ وبكلمتِه يُزادُ دومًا من كلِّ نعمةٍ وبركةٍ وعطيّةٍ وقوّة.

وفي حادثةِ الأرملةِ عزاءٌ لكلِّ ذي دَخلٍ محدود: فإنّ الرَّبَّ لا يزنُ مقدارَ العطيَّة، بل أمانةَ القلبِ وسخاءَه بالنِّسبةِ إلى ما في اليد. فليس المطلوبُ نسبةً محدَّدةً تُثقِلُ الفقير، بل قلبٌ يُعطي بفرحٍ وحرِّيَّةٍ وامتنان، كما يقولُ الرَّسولُ بولس: "كلُّ واحدٍ كما ينوي بقلبِه، لا عن حزنٍ أو اضطرار، لأنَّ المُعطيَ المسرورَ يحبُّه الله" (٢ كورنثوس ٩: ٧). فالعُشرُ في جوهرِه ليس فريضةً تُحسَبُ بالحساب، بل ثمرةُ شُكرٍ للهِ الَّذي منه كلُّ عطيّة.

*             *             *

يا أحِبَّة، لِنَكُن مبشِّرين بنعمةِ اللهِ وخلاصِه، ولنَعِشْ إيمانَنا بالفعلِ والقولِ لا بالتَّنظيرِ والتَّقتيرِ على الله. لنَعُدْ إلى العيشِ ببركتِه، ولنؤمنْ أنَّ مَن يُطيعُ الوَصيَّةَ يحصدُ بركاتٍ لا تُحصى، روحيَّةً ومادِيَّة. اللهُ محبٌّ ورحيم، وقد بذلَ ابنَه الوحيدَ لأجلِ خلاصِ العالم؛ وهو لا يطلبُ عطاءَنا لحاجةٍ فيه، بل لينمُوَ قلبُنا في محبَّتِه. فمقياسُ نموِّنا وإيمانِنا هو العطاءُ الَّذي هو تدريبٌ على بذلِ الذَّات؛ ومن يخافُ أن يفقدَ نفسَه بالعطاءِ لن يجدَها، "فإنّ مَن أرادَ أن يُخلِّصَ نفسَه يُهلِكُها، ومَن يُهلِكُ نفسَه من أجلي ومن أجلِ الإنجيلِ فهو يُخلِّصُها" (مرقس ٨: ٣٥). فإذا كان الرَّبُّ يريدُنا أن نُعطيَه قلبَنا، أي حياتَنا كلَّها، فهل كثيرٌ عليه أن نقدِّمَ له عُشورَ ما يمنُّ به هو علينا من خيرات؟!...

ومن له أذنانِ للسَّمعِ فليسمعْ...

+ أنطونيوس

متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما

طروباريَّة القيامة (باللَّحن الثَّامن)

انْحَدَرْتَ مِنَ العُلوِّ يا مُتحنِّن. وقَبِلتَ الدَّفنَ ذا الثّلاثةِ الأيّام. لكي تُعتقَنا مِنَ الآلام، فيا حياتَنا وقيامتَنا يا رَبُّ المجدُ لك.

طروباريَّة الشَّهيد كاليستراتُس ومن معه (باللَّحن الرَّابع)

شُهداؤكَ يا ربُّ بجِهادهم نالوا منكَ الأكاليل غيرَ البالِيَةِ يا إلهَنا، لأنَّهُم أحْرَزُوا قوَّتَكَ، فَحَطَّموا المُغتَصبين وسَحَقوا بأسَ الشّياطين الّتي لا قُوَّة لها، فبتوسّلاتهم أيّها المَسيح الإله خَلِّص نفوسنا.

القنداق (باللَّحن الثَّاني)

يا شفيعَةَ المسيحيّين غَيْرَ الخازية، الوَسيطةَ لدى الخالِق غيْرَ المرْدودةِ، لا تُعْرضي عَنْ أصواتِ طلباتِنا نَحْنُ الخَطأة، بَلْ تدارَكينا بالمعونةِ بما أنَّكِ صالِحَة، نَحنُ الصّارخينَ اليكِ بإيمان: بادِري إلى الشَّفاعَةِ وأسَرعي في الطّلْبَةِ يا والدَة الإلهِ، المتشَفِّعَةَ دائمًا بمكرِّميك.

الرِّسالة (2 كو 6: 16- 18، 7: 1)

صَلُّوا وَأَوْفُوا الرَّبَّ إِلَهَنَا.

اللهُ مَعْرُوفٌ فِي أَرْضِ يَهُوذَا.

يَا إِخْوَةُ، أَنْتُمْ هَيْكَلُ اللهِ الحَيِّ كَمَا قَالَ اللهُ: إِنِّي سَأَسْكُنُ فِيهِمْ وَأَسِيرُ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَأَكُونُ لَـهُمْ إِلَـهًا، وَهُمْ يَكُونُونَ لِي شَعْبًا. فَلِذَلِكَ اخْرُجُوا مِنْ بَيْنِهِمْ وَاعْتَزِلُوا يَقُولُ الرَّبُّ، وَلا تَـمَسُّوا نَجِسًا، فَأَقْبَلُكُمْ وَأَكُونُ لَكُمْ أَبًا وَتَكُونُونَ أَنْتُمْ لِي بَنِينَ وَبَنَاتٍ يَقُولُ الرَّبُّ القَدِيرُ. وَإِذْ لَنَا هَذِهِ الـمَوَاعِدُ أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، فَلْنُطَهَّرْ أَنْفُسَنَا مِنْ كُلِّ أَدْنَاسِ الجَسَدِ وَالرُّوحِ، وَلْنُكَمِّلِ القَدَاسَةَ بِـمَخَافَةِ اللهِ.

الإنجيل (لو 5: 1- 11) (لوقا 1)

في ذلك الزَّمان، فيما يسوعُ واقفٌ عند بحيرة جنِّيسارت، رأى سفينتَيْن واقفتَيْن عند شاطئ البُحَيْرة وقد انحدر منهما الصَّيَّادون يغسلون الشِّباك. فدخل إحدى السفينتَيْن، وكانت لِسمعان، وسأله أن يتباعد قليلًا عن البَرّ، وجلس يُعَلِّم الجُموع من السَّفينة. ولمَّا فرغ مِنَ الكَلام قال لسمعان: تقدَّمْ إلى العُمق وألقُوا شباككم للصَّيْد. فأجاب سمعان وقال له: يا مُعَلِّم إنَّا قد تَعِبْنا اللَّيلَ كلَّه ولم نُصِبْ شيئًا، ولكنْ على كلِمَتِكَ أُلقي الشَّبكة. فلمَّا فَعَلُوا ذلك أصابوا من السَّمَك شيئًا كثيرًا حتَّى تخرَّقَتْ شبكتهم. فأشاروا إلى شركائهم في السَّفينة الأخرى أنْ يأتوا ويُعاوِنُوهم، فأتَوا وملأوا السَّفِينتَيْن حتَّى كادَتا تغرقان. فلمَّا رأى ذلك سمعانُ بطرسُ خَرَّ عند رُكْبَتَيْ يسوع قائلًا: أُخرُج عنِّي يا ربّ فإنِّي رجلٌ خاطئٌ، لأنَّ الانذهال اعتراهُ هو وكلَّ مَن معه لِصَيْدِ السَّمك الَّذي أصابوه، وكذلك يعقوب ويوحنّا ابنا زبدى اللَّذان كانا رفيقَيْن لِسِمْعان. فقال يسوعُ لِسِمْعَان: لا تَخَفْ فإنَّك مِنَ الآنَ تكون صائدًا للنَّاس. فلمَّا بَلَغُوا بالسَّفينتَيْن إلى البَرّ تركوا كلَّ شيء وتبعوه.

حول الإنجيل

حفظ الوَصايا الإلهيَّة

كثيرونَ منَّا يظنُّونَ أنَّ طاعةَ وصايا اللهِ تخصُّ خلاصَ النَّفْسِ وحدَه، أمَّا الرُّزقُ والعملُ والنَّجاحُ في هذه الحياةِ فميدانٌ آخَرُ يعتمدُ فيه الإنسانُ على شطارتِه وحدَه. لكنَّ حادثةَ صيدِ السَّمكِ مع بطرسَ الرَّسُولِ تُعلِّمُنا غيرَ ذلكَ: فقد طلبَ منه الرَّبُّ أن يُلقيَ الشِّباكَ من جديدٍ، بعدَ ليلٍ طويلٍ من التَّعبِ بلا نتيجةٍ، فأطاعَ بطرسُ رغمَ شَكِّهِ، فامتلأتِ الشِّباكُ حتَّى كادَتْ تتمزَّقُ. تقولُ لنا هذه المعجزةُ بوضوحٍ: مَن يُطيعُ كلمةَ اللهِ، حتَّى في أبسطِ أعمالِه اليوميَّةِ، يجدُ بركةً تفوقُ كلَّ جهدِه الخاصّ. ولهذا، حين وَعَدَ المسيحُ قائلًا: «اطلبوا أوَّلًا ملكوتَ اللهِ وبرَّه، وهذه كلُّها تُزادُ لكم» (متَّى 33:06)، لم يكنْ يتكلَّمُ عن السَّماءِ وحدَها، بل كانَ يعدُنا أيضًا بأنَّ اللهَ يهتمُّ برزقِنا وعملِنا وحياتِنا اليوميَّةِ، متى وضعنا طاعتَه أوّلًا في حياتِنا.

وقد يظنُّ بعضُنا أنَّ النَّجاحَ في هذه الحياةِ يُنالُ بالحيلةِ والكذبِ لا بالصِّدقِ والأمانةِ، فيرى في الاستقامةِ ضعفًا وفي الخداعِ ذكاءً. وهذا وَهْمٌ خطيرٌ، لأنَّ كلَّ خيرٍ في هذا العالمِ، من مطرٍ وزرعٍ ورزقٍ، مصدرُه اللهُ وحدَه، لا مهارةُ الإنسانِ ولا مكرُه. وقد نرى أحيانًا إنسانًا أمينًا يُعاني الفقرَ، بينما يعيشُ آخرُ غيرُ أمينٍ في رخاءٍ ورغدٍ، فتصيبُنا الحيرةُ والشَّكُّ. لكنَّ الكتابَ المقدَّسَ يُذكِّرُنا بأنَّ غنى الأشرارِ سريعُ الزَّوالِ، كالعشبِ الَّذي يخضرُّ ثمَّ يجفُّ بسرعةٍ، بينما بركةُ اللهِ على أولادِه الأمناءِ تبقى ثابتةً، وإن تأخَّرتْ قليلًا.

من هنا، فليحذرْ كلُّ إنسانٍ أن ينسبَ نجاحَه إلى ذكائِه أو منصبِه وحدَه، بل ليتذكّرْ أنَّ اللهَ هو مصدرُ كلِّ خيرٍ، وأنَّ أعظمَ فخرٍ لنا هو أن نعرفَه ونثقَ به، لا أن نتّكلَ على أنفسِنا. وهذا لا يعني أبدًا أن نُهملَ عملَنا أو نتكاسلَ عن واجباتِنا اليوميةِ، بل أن نجمعَ بين الاجتهادِ الصادقِ والصلاةِ المستمرّةِ، واثقينَ أنَّ اللهَ يباركُ تعبَنا ويُكملُ لنا ما ينقصُنا منه.

فلنطمئنَّ إذًا، ولا نتّكِلْ على قوّتِنا أو حيلتِنا، بل لنطلبْ أوّلًا ملكوتَ اللهِ وبرَّه، واثقينَ أنَّ ما نحتاجُه في هذه الحياةِ سيُعطى لنا في حينِه، بحسبِ وَعْدِ الرَّبِّ الصَّادقِ الَّذي لا يكذبُ.

القدِّيس يوحنَّا الإنجيليّ:

كاتب الإنجيل الَّذي شهد للنُّور والحياة

يحتلّ القدِّيس يوحنَّا الإنجيليّ مكانةً مميَّزة بين الإنجيليِّين الأربعة، لأنَّه قدَّم للكنيسة إنجيلًا يتميَّز بعمقٍ لاهوتيّ وروحيّ فَريد. فمنذ الكلمات الأولى: «فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ» (يوحنَّا ١:١)، يأخذنا الإنجيليّ في تأمُّلٍ عميق في سرِّ المسيح، الكلمة الأزليّ، الَّذي صار إنسانًا وسكن بيننا.

كان يوحنَّا في بداية حياته تلميذًا حماسيًّا شديد الطَّبع، حتَّى دُعِيَ مع أخيه «ابنَيْ الرَّعد». لكنَّه تغيَّر بنعمة المسيح؛ فالَّذي أراد يومًا أن تنزل نار من السَّماء على السَّامريِّين، أصبح رسول المحبَّة الَّذي يُعلن: «الله محبَّة». وهكذا تكشف حياته أنَّ التَّلمذة الحقيقيَّة لا تغيِّر أفكار الإنسان فحسب، بل تغيِّر قلبه أيضًا.

لا يقدِّم يوحنَّا نفسه في إنجيله بوصفه كاتبًا يسعى إلى الشُّهرة، بل بوصفه شاهدًا. يقول في نهاية الإنجيل: «وَالَّذي عَايَنَ شَهِدَ، وَشَهَادَتُهُ حَقٌّ» (يوحنَّا ١٩: ٣٥). فإنجيل يوحنَّا ليس مجرَّد سيرة لحياة المسيح، بل هو شهادةُ إيمان. لقد رأى يوحنَّا، وسمع، ولمس، وعاش مع الكلمة المتجسِّد، ثمَّ نقل إلى الكنيسة ما اختبره. ولهذا يكتب في رسالته الأولى: «الَّذي كَانَ مِنَ الْبَدْءِ، الَّذي سَمِعْنَاهُ، الَّذي رَأَيْنَاهُ بِعُيُونِنَا، الَّذي شَاهَدْنَاهُ وَلَمَسَتْهُ أَيْدِينَا» ( ١يوحنَّا ١: ١). إنَّه إيمانٌ مبنيٌّ على اللِّقاء: المسيح ليس فكرة فلسفيَّة، بل شخصٌ حَيٌّ دخل التَّاريخ، وصار إنسانًا، وعاش بين البشر، وتألَّم وماتَ وقام.

يدعونا يوحنَّا الإنجيليّ إلى اختبار المسيح كما اختبره هو. يدعونا إلى الاقتراب من المسيح. يوحنَّا كان التِّلميذ الَّذي اتَّكأ على صدر الرَّبّ. ويدعونا إلى الثَّبات في الأمانة. ففي الوقت الَّذي هرب فيه كثيرون، بَقِيَ يوحنَّا عند الصَّليب. يُريدنا أن نتحوَّل بالمسيح. فالَّذي كان يومًا «ابن الرَّعد» أصبح رسول المحبَّة. وأخيرًا، إلى الشَّهادة. فالَّذي التقى المسيح لا يستطيع أن يحتفظ بهذا اللِّقاء لنفسه. «ولكي تكون لكم إذا آمنتم حياةً باسمه» (يوحنَّا ٢٠: ٣١).

وهذه هي غاية إنجيله: ليس أن نعرف معلوماتٍ أكثر عن المسيح، بل أن نؤمن به، وأن نَحيا فيه، وأن نمتلك الحياة باسمه.

الوداعة 

الدكتور كوستي بندلي

** معنى الوداعة تجاه المعتدي:

 ... يأمر يسوع بالتصرّف الوديع حتّى مع المعتدي ذلك لأنّ الغاية هي خلاص هذا المعتدي أيضًا. إذا أجبنا على عنفه بالعنف، كيف يمكننا أن ننقذه من الشرّ الذي يستعبده؟ إنّما يكون قد غلبنا حقًّا بدفعه إيّانا إلى مشاركته في الكراهية والبغضاء. أمّا إذا قابلنا عنفه بالوداعة، فلربّما تركنا للمحبّة مجالًا للدخول إلى قلبه بتقديمنا شهادة حيّة للمحبّة الحقّة، المحبّة غير المشروطة، التي تشمل كلّ إنسان على علّاته، وإن كان ظالمًا حقودًا، المحبّة المنتصرة التي لا تتزعزع أمام هجمات العنف. هذه المحبّة وحدها، لأنّها من الله، قادرة أن تنير قلب الإنسان المكبّل بالحقد، وأن تحطّم أغلاله، وأن تنقله من عالم العنف إلى عالم الله الذي "يشرق شمسه على الأشرار والصالحين ويمطر على الأبرار والظالمين". إنّها وحدها أقوى من الحقد وبها وحدها يمكن أن يغلب غلبة جذريّة، كاملة. بهذا المعنى كتب الرسول بولس: "لا تنغلب للشرّ، بل اغلب الشرّ بالخير" (رومية 12: 21).

** الوداعة لا تنفي الشدّة:

ولكن الوداعة ليست بالميوعة كما تصوّرها نيتشه. إنّها لا تنفي الشدّة. فالشدّة ضروريّة أحيانًا لإيقاظ الضمائر المتحجّرة. إنّ محبّة الناس تقتضيها أحيانًا، فمن يحبّ إخوته يتوجّب عليه أحيانًا أن يقلقهم ويزعجهم لخيرهم، وذلك دائمًا على حساب راحته الخاصّة. ولذلك تصرّف يسوع بشدّة في عدّة ظروف من حياته. لقد كان، إلى جانب وداعته، شديدًا عندما يقتضي الظرف الشدّة... فقد حدث له أن خاطب بلهجة قاسية الشعب اليهوديّ وخاصّة رؤساءه، موبّخًا إيّاهم على كبريائهم وريائهم وسعيهم وراء الخوارق وعدم إيمانهم... ولكنّ يسوع استعمل الشدّة في تلك الظروف كلّها دون أيّ بغض أو كراهية. ولم يكن لغير المحبّة مكان في  قلبه. فقد كان يكتنف بحنوّ لا مثيل له ذلك الشعب غير المؤمن، فيشفي مرضاه ويبشّر مساكينه. وكان يدعو تلاميذه البطيئي الفهم، المنهمكين بأمور الدنيا: "يا أولادي الصغار..."، أمّا الكتبة والفرّيسيّون الذين قتلوه فقد صلّى من أجلهم على الصليب، وبكى على أورشليم فيما كان يدعوها "قاتلة الأنبياء" وينذرها بالعقاب. لم يستعمل يسوع إذًا الشدّة إلّا كما يستخدم الجرّاح المبضع، ليس بغضًا بالمريض بل في خدمته ومن أجل سلامته.

** الوداعة التي لا تعني الخنوع:

وهكذا يتّضح أنّ الوداعة الحقّة لا تعني الخنوع أو التخاذل. إنّما يرافقها تصميم في تتميم الرسالة مهما كانت العقبات ولو قاد ذلك إلى الموت. الوديع لا يبغي إهلاك الآخرين ولكنّه لا يتراجع أمام تضحيته نفسه إذا اقتضى الأمر. إنّ يسوع لم يكن متخاذلًا بل صلبًا في موقفه من عظماء هذا الدهر وهذا كما يتّضح مثلًا من تلك الحادثة التي يرويها لوقا الإنجيليّ: "وفي تلك الساعة تقدّم إليه نفر من الفرّيسيّين وقالوا له: انطلق، اذهب من ههنا، فإنّ هيرودس يريد أن يقتلك. فقال لهم: اذهبوا وقولوا لهذا الثعلب. ها أنذا أطرد الشياطين، وأجري الأشفية اليوم وغدًا وفي اليوم الثالث ينقضي أجلي ولكن لا بدّ من أواصل السير اليوم وغدًا وما بعده (لوقا 13: 31-32). ذلك الحزم والتصميم عينه، تصميم من قدّم حياته طوعًا في سبيل تتميم رسالة المحبّة الملقاة على عاتقه، نجدها في موقف يسوع عند وقوعه في أيدي أعدائه ومحاكمته الظالمة، فإنّنا نراه يتصرّف تجاه أعدائه وقضاته المضطربين الخائفين، وكأنّه الحاكم لا المحكوم عليه، بوداعة يرافقها ثبات هادئ قويّ.

** الوداعة لا تنفي مكافحة الشرّ:

الوداعة لا تعني مساومة الشرّ. إنّ مصدرها المحبّة، والمحبّة لا بدّ لها أن تتجنّد لمكافحة الشرّ، لأنّ الشرّ يهدّد الآخرين في أجسادهم وفي نفوسهم. لا تعني الوداعة إذًا أن يقف الإنسان مكتوف الأيدي أمام الشرّ. إنّما تفرض أسلوبًا خاصًّا في مكافحة الشرّ. تفرض أن يكافح الشرّ دون بغض للشرّير، وأن يلجأ إلى الوسائل السلميّة ما أمكن ذلك، وأن يسعى لإيقاف الشرّ بالتوجّه إلى عقول الناس، مهما سُخِّرت في خدمة الأهواء، وإلى قلوبهم مهما انحرفت، وإلى ضمائرهم مهما تحجّرت. أنّها تفترض ثقة بأنّ صورة الله لا تزال كامنة في صميم الإنسان، وإن تشوهّت. الوداعة، إذًا، فيها الكثير من التأنّي "المحبّة تتأنّى..." على حدّ قول الرسول، لأنّ فيها الكثير من الاحترام للآخر، ولو ضلّ السبيل. وقد كتب جيلبر سيسبرون Gilbert Cesbron: "ليس عكس العنف السلبيّة، لكن الصبر". ولكنّ صبر الواداعة هذا أقوى سلاح ضدّ البشر. الوداعة تكافح الشرّ في جذوره لأنّها تحاول استئصال البغضاء من قلب المعتدي وربحه إلى معسكر المحبّة، بينما تؤول مكافحة الشرّ بالكراهية والبغضاء إلى تخليده، ولو تغيّرت الأوضاع الخارجيّة. ولذلك، بما أنّ للواداعة تلك الفاعليّة الفائقة في مكافحة الشرّ، نرى قوى الشرّ تتألّب عليها بضراوة، فيحدث ما هو مذهل لأوّل وهلة، أي أنّ الوديع الذي لا يحقد على أحد ويبشّر بأن لا يُحقَد على أحد يصبح فريسة الحقد، وما استشهاد غاندي رسول اللاعنف سوى مثل بليغ مؤثّر لذلك.

[1]  جزء من مقالة للأستاذ كوستي بندلي ورد في مجلة النور لعام 1964 تحت عنوان المسيح والعنف.