نشرة كنيستي- الأحد (26) بعد العنصرة- العدد 49
في 07 كانون الأوَّل 2025
كلمة الرّاعي
نهضتنا في المسيح
“اسْتَيْقِظْ أَيُّهَا النَّائِمُ وَقُمْ مِنَ الأَمْوَاتِ فَيُضِيءَ لَكَ الْمَسِيحُ” (أف 5: 14)
ها نحن نقترب من عيد ميلاد ربِّنا ومخلِّصنا يسوع المسيح من العذراء في بيت لحم، والكنيسة تحضّرنا أكثر فأكثر لمجيء النُّور-المسيح إلى العالم. في المقطع من الرِّسالة إلى أهل أفسس لهذا الأحد يدعونا الرَّسُول بولس أن نسلك كأولادٍ للنُّور، لأنَّ ثمر الرُّوح هو في كلِّ صلاحٍ وبرٍّ وحَقّ. وهذه الدَّعوة تكتسب معناها الأعمق ونحن في زمن الاستعداد لعيد الميلاد، حيث نتهيَّأ لاستقبال النُّور الحقيقيّ الَّذي أشرق في العالم بميلاد الرَّبّ يسوع المسيح. المسيح هو النُّور ولا نور غيره يمنح حياةً أبديَّة وشفاء وانتصارًا على الظُّلمة. الإنسان المقيَّد بالخطيئة هو كالميت في القبر يحتاج من يوقظه ويخرجه من ظلمة قبره-قلبه، “لذلكَ يقولُ: استَيْقِظْ أيُّهَا النَّائِمُ وقُمْ من بين الأمواتِ فَيُضِيءَ لكَ المسيح”…
* * *
في تعليقه على هذا المقطع من رسالة بولس إلى أهل أفسس يلفت القدِّيس يوحنَّا ذهبيّ الفَم إلى أنّ المؤمن لا يكتفي بالابتعاد عن أعمال الظُّلمة، بل يُظهِر بعيشه النُّورانيّ قبح تلك الأعمال، فيكون حضوره شهادةً حيَّةً على أنَّ المسيح هو نور العالم. إذًا، ليس المطلوب من المؤمنين مجرَّد الانفصال عن الشَّرّ، بل أن يكونوا نورًا يفضح الظُّلمة ويبدِّدها. هذا السُّلوك كأبناء النُّور، بحسب القدِّيس أمبروسيوس أسقف ميلانو، هو ثمرةُ المعموديَّة الَّتي أخرجتنا من ظلمة الموت إلى نور الحياة الجديدة. ويؤكِّد أنَّ الامتلاء بالرُّوح القدس يجعل المؤمنين قادرين على التَّرنيم والتَّسبيح، فيتحوَّل القلب إلى هيكلٍ حَيٍّ يُعلن حضورَ المسيح. هكذا يصير المؤمن حامِلًا في ذاته روح النَّهضة وروح اليقظة، وبالتَّالي فإنَّ النِّداء “استيقظ أيُّها النائم”، بحسب المطران جورج خضر، هو نداءٌ دائمٌ للكنيسة كي لا تستسلم لعادات العالم، بل لتبقى متجدِّدة في المسيح. فالمسيح يُضيء لنا لا لكي نكتفي بالفرح الدَّاخليّ، بل لنَحْمِل هذا النُّور إلى الآخَرين، فنكون شهودًا للحَقِّ في زمن تغمره التَّجارب والشُّرور…
* * *
يا أحبَّة، إنَّ الميلاد هو حدث النُّور بامتياز: “الشَّعبُ السَّالكُ في الظُّلمة أبصر نورًا عظيمًا”. لذلك، يأتي هذا المقطع من رسالة بولس إلى أهل أفسس ليذكّرنا بأنَّ التَّحضير للميلاد لا يقتصر على الزِّينة الخارجيَّة أو الطُّقوس الاحتفاليَّة، بل هو مسيرةٌ داخليَّة نحو النُّور، دعوة إلى التَّوبة، إلى الاستيقاظ من غفلة الرُّوح، وإلى القيام من موت الخطيئة. لذلك يحثُّنا الرَّسول أن نفتدي الوقت لأنَّ الأيَّام شرِّيرة، أي أن نعيش كلَّ لحظَةٍ بِوَعيٍ روحيّ، فلا نهدرها في أعمال باطلة، بل نستثمرها في الخير والبِرّ، في الجهاد والتَّوبة، في التَّطهُّر والتَّنقية… في النَّهضة أي في التَّجدُّد بالرُّوح القدس، وهذا ما يشدِّد عليه الذَّهبيّ الفَم حين يقول إنَّ المؤمن الحكيم هو الَّذي يُحَوِّل كلَّ ظرفٍ يمرُّ به إلى فرصةٍ للنِّعْمَة، فلا يسمح للشَّرِّ أن يسرق منه الزَّمَن. هذا ما يُوضح معنى دعوة الرَّسول بولس في هذا المقطع من رسالته إلى الامتلاء بالرُّوح، لا بالخمر الَّتي فيها الدَّعارة، بل بالتَّسابيح والأغاني الرُّوحيَّة، لأنَّ التَّرنيم ليس مجرَّد فعلٍ شفويّ، بحسب القدِّيس أمبروسيوس بل هو انسكاب القلب أمام الله، حيث تتحوَّل النَّفْس إلى قيثارةٍ يرنِّم عليها الرُّوح القدس.
وعليه، فلنجعل أيُّها الأحبَّاء، هذه الفترة المبارَكة من صوم الميلاد زمن يقظةٍ روحيَّةٍ وتجديد، ننبذ فيها أعمال الظُّلمة غير المثمرة، ونفتح قلوبنا لنور المسيح. لنستعدَّ للميلاد بفرحٍ ورجاء في التَّوبة والصَّلاة والصَّوْم والمسامحة والبذل، حاملين في حياتنا شهادةً أنَّ المسيح، نور العالم، قد أتى ليقودنا إلى كلِّ صلاحٍ وبِرٍّ وحَقٍّ وفرح وسلام، ليشرق نوره وملكوته فينا تحقيقًا لحياة أفضل لبني البشر فيه وعربونًا لسِرِّ الدَّهر الآتي…
ومن له أذنان للسَّمع فليسمع…
+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما