Menu Close

نشرة كنيستي- الأحد قبل ميلاد ربّنا يسوع المسيح (النّسبة)- العدد 51

19 كانون الأوَّل 2021

كلمة الرَّاعي

من هو يسوع؟

النّسب البشريّ للرّبّ

طرح الإنجيليّ الرّسول متّى هذا السّؤال منذ البداية على المؤمنين الَّذين جاؤوا من العالم اليهوديّ فاعتمدوا وصاروا أعضاء في الكنيسة: “من هو هذا الإنسان”؟ وقدّم الجواب: يسوع المسيح هو ابن داود، ابن ابراهيم. سلسلة الأنساب (المواليد) هي عنوان خبر يريد أن ينقله لنا الإنجيليّ. فهو لا يتوخّى فقط أن يذكر أهمّ أجداد يسوع، داود، ابراهيم… بل أن يبيِّن أنّ يسوع هو آدم الجديد.

إنّ عبارة ”Βίβλος γενέσεως“ (كتاب ميلاد، مواليد) نجدها أيضًا في تك 2: 4 ”مولد السّماء والأرض“ وفي 5: 1 ”هكذا كانت مواليد آدم“. إن تك 5 هو تكرار للخلق. فإذا كان الله قد خلق الإنسان على صورته، فها هو آدم يلد إنسانًا على صورته ومثاله (تك 5: 3؛ راجع 1: 26). مع الولادة (والإنجاب)، تستمرّ الخليقة انطلاقًا من الدَّفع الأوّل. فمَن وَلد ولدًا نقل إليه الكرامة الإنسانيّة، هذا بعد السّقوط. التّاريخ كتاب مفتوح وفيه تتسجّل لائحة مفتوحة تتضمّن أسماء البشر، إذ لم تُختم اللّائحة بعد، فنهايتها في نهاية العالم، أي في مجيء الرّبّ يسوع الثّاني.

كما كان آدم (الأوّل) فاتحًا لكتاب مواليد البشر، كذلك فإنّ يسوع المسيح هو فاتحُ كتاب مواليد البشريّة الجديدة. هو آدم الجديد أو الثّاني. أثبت لوقا حقيقة إنسانيَّة يسوع، إذ عاد بنسبه إلى آدم  (لو 3: 38). طبعًا، متّى صنع الأمر نفسه ولكن بأسلوبه الخاصّ. لم يسمِّ بِشَكلٍ واضحٍ الإنسان الأوَّل-آدم، ولكنّه بيّن أنّ يسوع، آدم الجديد، هو رأس أبناء الله. هذا ما نستنتجه حين نقابل العنوان في إنجيل متّى (كتاب مواليد يسوع المسيح) مع عناوين في التّوراة تبدأ خبرًا من الأخبار. نَسَبُ يسوع كما وضعه متّى الإنجيليّ بدأه في سرده بيسوع المسيح ابن داود ابن ابراهيم وأنهاه بيسوع. يسوع هو البداية وهو النّهاية. هو الأصل وهو النَّسل…

*          *          *

 أهمّيّة نسب يسوع المسيح البشريّ تتمثّل بأنّه يجمع البشريّة كلّها بحسب شعوب ذلك الزَّمن. ففيه العبرانيّون واليهود وفيه الكنعانيّون بواسطة تامار والحثيّون بواسطة بتثشابع والموآبيون بواسطة راعوث، وجميع الخطأة (وكلّنا خطأة) في شخص راحاب الزّانية. يسوع يجمع في إنسانيّته كلّ البشرية ليفتديها ويجدّدها ويلدها من ثانية من فوق فيه. هو أتى ليعيد توحيد البشريّة فيه. نَسَبُ يسوع فيه الأبرار وفيه الخطأة، فيه الشّعب المختار وفيه شعوب الأمم. المهمّ أنّه هو سيصير آدم الجديد ومصدرًا للبشريّة الجديدة.

ذرّيّة آدم الأوّل تشبهه وهي على صورته قسرًا أمّا ذرّيّة آدم الثّاني فهي على صورته بالاختيار الحرّ. يسوع أتى ليجعلنا ذرّيّة الله الرّوحيَّة. لذلك، في يسوع انفتح الباب لكلّ البشر للعودة إلى حقيقتهم بحسب قصد الله. من يقبل يسوع مخلِّصًا له يدخل في سرّ الحياة الجديدة الَّتي هي الغلبة على الخطيئة والتّحرُّر من كلّ قيد عنصريّ أو إثنيّ أو طَبَقِيّ …

*          *          *

أيُّها الأحبّاء، إنّ تاريخ ابن الله المتجسِّد بحسب البَشَرَة لا ينفصل عن تاريخ شعبه ولا عن تاريخ سائر الشّعوب، هذا هو معنى سلسلة النَّسب البشريّ  الّتي سردها متّى الإنجيليّ. ونحن نقرأ التّاريخ الكتابيّ على أنّه استعداد لمجيء المسيح، وارثُ البركات الَّتي وُعِد بها إبراهيم أنّها ستُعطى لنسله (راجع تك 13: 15—16). وهذه البركة ليست كرامة وحسب. إنّها تنقل الحياة الّتي هي أثمن خير في الدّنيا. وتنتشر الحياة لتعمّ الأرض كلّها. هذه الحياة انطلقت من آدم الأوّل فوصلت إلى آدم الثّاني لتنتشر منه من جديد ولكن حياة إلهيّة وحياة أبديَّة لكلّ إنسان في هذا العالم يقبل يسوع المسيح مخلِّصًا له ويسلك في طاعته. يسوع هو آخر ثمرة في نبتة الحياة القديمة وبهذا هو وارث للأجيال السّابقة. الماضي قِبْلَتُه يسوع مَنْ فيه يتكثّف التّاريخ إذ هو سيعطيه معناه الكامل. تاريخ شعب الله المقدّس وتاريخ البشر يجدان معناهما في يسوع المسيح الَّذي هو ” الأَلِفُ وَالْيَاءُ، الْبِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ“ (رؤ 1: 8) وهو الَّذي يعطي ”الْعَطْشَانَ مِنْ يَنْبُوعِ مَاءِ الْحَيَاةِ (الأبديَّة) مَجَّانًا“ (رؤ 21: 6).

*          *          *

بعد أن أتى الرَّبّ إلينا بالجسد تغيَّر معنى الوجود أو بالأحرى وَجدَ معناه الحقيقيّ والأصليّ الَّذي هو عطيَّة حبّ الثّالوث اللّامتناهي لخليقته ورأسها الإنسان، هذا الَّذي أراد له الله أن يكون ”على صورته ومثاله“ (تك 1: 26). لقد حمل الإله المتجسِّد في إنسانيّته كلّ نتائج البشريّة جمعاء ببرِّها وخطيئتها كونه تقبَّل أن يجمع في سلالته البَرَرَة والخاطئين. هو أتى إلينا لكي يأخذنا إليه، هو اتَّخذنا بإرادته حبًّا لكي نتّخذه نحن أيضًا في جوابنا على حبّه الإلهيّ في حرّيّة أبناء الله الَّتي يريد أن يهبنا إيّاها فيه، إذ ”كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ (…) أَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ“ (يو 1: 12).

يسوع، آدم الجديد الَّذي لا أب له إلا الله، كشف لنا في ذاته على أنّ انتقال الحياة البشّرية لا يجد ملء معناه إلّا بانتقال كرامة أبناء الله إلى البشر. ولكنّ هذه الكرامة هي من مستوى آخر، والله وحده يرفعنا إلى هذا المستوى. إنّ هذا الحدث الَّذي تمّ في ”ملء الزّمان“ (غل 4: 4) والّذي فيه دخل الله نفسه في الزّمن حين أخذ جسدًا من مريم العذراء، صار لنا بدء خَلْقٍ جديد في يسوع المسيح، عمّانوئيل ”الَّذي رئاسته على عاتقه وسلامه ليس له حدّ …“.

السّؤال الآن الَّذي يُطرح على كل منّا هو: من هو يسوع بالنّسبة لي؟ …

+ أنطونيوس

مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما

مواضيع ذات صلة