نشرة كنيستي- الأحد (3) بعد العنصرة- العدد 26
29 حزيران 2025
كلمة الرّاعي
كنيسة أنطاكية: عيد الكرسيّ الأنطاكيّ المقَدَّس
“على هذه الصَّخرة أبني كنيستي وأبواب الجحيم لن تَقْوَى عليها” (مت 16: 18)
بطرس وبولس، هامتا الرُّسُل، نشرا بشارة الخلاص في أنطاكية بِمَعِيَّة آخَرين، إلَّا أنّ التَّاريخ الكَنَسيّ يُجمِع على اعتبارهِما المؤسِّسَيْن الرُّوحيَّيْن لكنيسة أنطاكية. في تلك الحقبة، كانت المدينة تضمّ جماعاتٍ يهوديّة، لكنّ غالبيَّة سكَّانها كانوا من الوثنيِّين. ومع بدايات الكِرازة، أضْحَتْ أنطاكية مركزًا حيًّا لتبشير الأمم، ما أثار جدلًا عميقًا داخل الجماعة المسيحيَّة الأولى، ولا سِيَّما في ظِلِّ إصرار بعض المهتدين من اليهود على إلزام الدَّاخِلين الجُدُد من الوثنيِّين بشريعة موسى قبل اعتمادهم في الكنيسة.
وقد بلغ هذا الخلاف ذروته بين القدِّيسَيْن بطرس وبولس، كما يذكر الرَّسُول بولس بصراحة في رسالته إلى أهل غلاطية، الإصحاح الثَّاني (غلاطية ٢: ١١–١٤)، إذْ يَروي مواجهته الصَّريحَة لبُطرس وَجْهًا لِوَجه في أنطاكية. فقد لاحظ أنَّ بُطرُس كان يتصرّف بازدواجِيَّةٍ مع المؤمنين من الأمم، إذ كان يشاركهم المائدة، ثم يمتنع عن ذلك عند مجيء بعض اليهود من عند يعقوب، خوفًا من جماعة الختان. فاعتبر بولس هذا التَّصرُّف نوعًا مِنَ الرِّياء، لأنّه ينمُّ عن تمييز لا يليق بروح الإنجيل، الَّذي يؤكِّد وَحدة الجميع في المسيح يسوع.
وفي نهاية المطاف، كان موقف الكنيسة واضحًا وحاسمًا: قبول الأمم في الإيمان المسيحيّ بإعلانهم الإيمان بالمسيح ربًّا ومخلّصًا، دون الحاجة للمرور بشريعة موسى. وقد شكّل هذا القرار المِفْصَليّ فاتحة لنشر البشارة في رُبوع العالم الوثَنيّ، وأسّس لانطلاقة المسيحيَّة في أرجاء الإمبراطوريَّة الرُّومانيَّة. ولاحقًا، بعد صدور مرسوم ميلانو عام ٣١٣ م، أضحى هذا الانتشار أوسع وأكثر رُسوخًا، مسهمًا في ازدياد أعداد المؤمنين وتثبيت دعائم الكنيسة النَّاشئة.
* * *
إذًا، لأنطاكية مقام الرّيادة في انبثاق البشارة نحو الأمم، ومنها انطلقت مَسْحَنَةُ المسكونة، تلك المسكونة الَّتي كانت جسد الإمبراطوريَّة الرُّومانيَّة. في أنطاكية، قبل أن تستقرّ الأقدام في روما، تَلاقَتْ خُطى بطرس وبولس، فصارَتْ المدينة عرشًا لهذين الرَّسُولَيْن، وصارَتْ مَهدًا لرسالة الخلاص.
إنَّ هذه الخصوصيّة الأنطاكيّة، المنفتحة على نفحات الرُّوح القُدس، الحاملة إيمانًا يُعاش في حرِّيَّة أبناءِ الله، تميَّزتْ بها أنطاكية على مَرِّ القرون أكثر من سائر الكنائس التَّاريخيّة الَّتي وُلدتْ في ما بعد من رحم كرازة الرَّسولَيْن. هذا هو التَّقليد الأنطاكيُّ، الرَّسوليُّ والرُّوحيُّ، الَّذي سلّمه الرُّسُل والمؤمنون الأوَّلون للأبناء، جيلًا بعد جيل، والَّذي لا يزال العالم المسيحيُّ اليوم، في الكنائس الأرثوذكسيَّة وفي مسيرة الحوار بين المسيحيّين قاطبة، في أمسّ الحاجة إليه.
فالرَّسُول بولس أعلنها بوضوحٍ لا لبْس فيه: “ليس يهوديّ ولا يونانيّ، ليس عبدٌ ولا حرّ، ليس ذكرٌ ولا أنثى، لأنَّكم جميعًا واحد في المسيح يسوع” (غل ٣: ٢٨). مِن هنا، لا يبقى مجال للتَّمييز على أساس عِرق أو طبقة أو جنس، لأنَّ المسيح جمع الكُلّ في ذاته، وصَيَّرَ من المؤمنين به “خليقة جديدة” (غل ٦: ١٥؛ ٢ كو ٥: ١٧)، أبناء لله وورثة لملكوته.
وعليه، فإنَّ المسيحيّة الَّتي أشرقَتْ من أنطاكية، ليست دعوةً مَحَلِّيَّة، بل رسالةٌ كَوْنِيَّة إلى العالم كلّه، خلاصٌ لكلّ من يعترف بالمسيح يسوع ربًّا وإلهًا. كنيسة أنطاكية هي كنيسة الرِّسالة والكرازة، هي الَّتي عمَّدتْ الثَّقافة، وارتقَتْ بالفلسفة، وشرّعتْ نوافذ الانفتاح نحو الآخَر، مدفوعةً بجرأة محبَّةِ يسوع وقوّة الفرح بمعرفته، تلك المعرفة الَّتي تصير حياةً وسلامًا وخلاصًا من الموت والخطيئة وعبوديّة هذا الدَّهر الزَّائل.
إنَّها صورة البشريّة الجديدة في المسيح، شهادةً حيَّةً وتواصُلًا حيًّا، وعقلاً نيّرًا مستنيرًا بروح الرَّبّ، يشتاق إلى تجديد الخلائق في جسد المسيح، أي الكنيسة.
* * *
أهميّة أنطاكية للعالم المسيحيّ اليوم تكمن في تأثيرها الَّذي يتوزّع على الحقول التَّالية:
أوَّلًا، على الصَّعيد الكَنَسيّ والرُّوحيّ: لا تزال أنطاكية تمثِّل نموذجًا فريدًا للانفتاح الرَّسوليّ، حيث التَقَتْ فيها التَّقاليد اليهودِيَّة بالمسيحيَّة النَّاشئة، وتبلْوَرَتْ فيها أولى ملامح الكنيسة الجامعة. هذا الإرث لا يزال يُلهم الكنائس الأرثوذكسيَّة، خصوصًا في سَعْيها إلى الحفاظ على وَحدة الإيمان مع احترام التَّنوُّع الثَّقافيّ واللُّغَويّ. فأنطاكية، الَّتي نُودي فيها أوَّلًا على المؤمنين باسم “مسيحيّين” (أع 11: 26)، تبقى رمزًا لهويَّة الكنيسة الجامعة، المتجذِّرة في التَّقليد والمنفتحة على العالم.
ثانيًا، في الحوار المسكونيّ: يُشكِّل التَّقليد الأنطاكيّ أرضِيَّةً خصبة للتَّلاقي بين الكنائس، إذ يَحْمل في طيَّاتِه روحًا حواريَّة منفتحة تجمع بين العقلانيَّة اللَّاهوتيَّة والرُّوحانيَّة العميقة. فأنطاكية، الَّتي عرفت كيف تتعامل مع الخلافات الأولى في الكنيسة، قادرة اليوم أنْ تُلهِم مسارات المصالحة والتَّفاهم بين الكنائس المختلفة، لا سِيَّما في ظِلِّ الانقسامات المعاصرة.
ثالثًا، في الشَّهادة المسيحيَّة في الشَّرق: تبقى أنطاكية صوتًا نبويًّا في وجه التَّحدِّيات الَّتي تعصف بالمسيحيِّين في المشرق. رغم ما تعرَّضَتْ له من دمار، خصوصًا بعد الزَّلازل الأخيرة الَّتي طالت بنيتها التَّاريخيَّة والكنسيَّة، فإنَّ روحها لم تُطفأ. بل على العكس، فإنّ الألم الَّذي عرفته أنطاكية اليوم يُعيدها إلى قلب الصَّليب، ويجعل من شهادتها أكثر صدقًا وعمقًا. إنَّها كنيسة الشُّهداء، لا فقط في الماضي، بل في الحاضر أيضًا.
رابعًا، في البُعد الثَّقافيّ والحَضاريّ: لا تزال أنطاكية، بما تمثِّله مِن تَلاقٍ بين الحضارات، تُذكّر العالم بإمكانيَّة العَيْش المشترَك، وبأنَّ الإيمان لا يُلغي العقل، بل يسمو به. فأنطاكية الَّتي عمّدت الفلسفة، كما ذكرنا آنفًا، لا تزال قادرة أن ترفد الفكر المعاصر برؤية إنسانيَّة متجذِّرة في الإنجيل.
* * *
يا أحبَّة، إنّ الرَّسُولَيْن بطرس وبولس هما عامودَي الكنيسة المبنيّة على صخرة الاعتراف بالمسيح يسوع ابنًا لله الحَيّ، ومساويًا له في الجوهر الإلهيّ، ومساويًا لنا في الطَّبيعة البشريّة الَّتي اتّخذها ما خلا الخطيئة، ومخلِّصًا للخليقة كلّها من عبوديَّةِ الموت. وها نحن اليوم، إذْ نُعَيِّد لكرسيّ أنطاكية المقدَّس، لا نحتفي فقط بذكرى تاريخيَّة، بل نُحيي في قلوبنا دعوة أصيلة إلى العودة إلى النَّبع الرَّسوليّ الأوَّل، إلى تلك الجرأة الإيمانيَّة والبَصيرة الرُّوحيَّة الَّتي طبعت كرازة أنطاكية وميَّزتْ روحها الكَنَسِيّ. إنَّه عيد العرش الَّذي لم يكن مُجَرَّد مَقَرّ، بل رؤية ورسالة، ومسيرة خلاص تَتَخَطَّى الحدود الجغرافيَّة لتبلغ أقاصي الأرض.
فلنستعدّ، إذًا، نحن أبناء أنطاكية، أن نكون على مثال الآباء الأوَّلين: أمناء للوَديعة، دُعاة لوَحدة الكنيسة، شهودًا للحَقِّ في زمن الالتباس، وبُناة سلامٍ في عالمٍ مشتَّت. ولنُجدِّد عهد المحبّة فينا، لنحمل أنطاكية – تراثًا وكنيسة وروحًا – في ضمائرنا، حاضرةً ومُستنيرةً بنور الكلمة، قادرةً أن تبشِّر، أن تُصلّي، وأن تعيد للعالم طعم الإنجيل وعذوبة النِّعْمَة.
ومن له أذنان للسَّمْع فليسمع…
+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما