Menu Close

نشرة كنيستي- الأحد (8) بعد العنصرة – العدد 31

03 آب 2025

 كلمة الرّاعي 

فَيْضُ النّعمة

” فَأَكَلُوا جَمِيعُهُمْ وَشَبِعُوا وَرَفَعُوا مَا فَضُلَ مِنَ الكِسَرِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ قُفَّةً مَـمْلُوءَةً.

وَكَانَ الآكِلُونَ خَمْسَةَ آلافِ رَجُلٍ سِوَى النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ” (مت 14: 20 – 21)

الرَّبُّ إلهُنا هو مصدرُ كلِّ بركةٍ ونِعمة، وهو الَّذي “يفتحُ يدَهُ ويُشبِعُ كُلَّ حيٍّ رضا” (مزمور 145: 16). وغالبًا ما يقيس النَّاس رضى الله عليهم من خلال البركات الَّتي يحصلون عليها، والَّتي تُترجم في نظرهم إلى خيراتٍ مادِّيَّة ومعيشةٍ هانئة. هذه النَّظرة كانت سائدة أيضًا في العهد القديم، حيث ارتبطت البركة بالإثمار والإنجاب والغِنى، كما قيل: “مباركٌ تكون ثمرةُ بطنك وثمرةُ أرضك وثمرةُ بهائمك” (تثنية 28: 4).

ولئن كان هذا الفهم لا يُعدّ خاطئًا إذا نَسَب الإنسان كلَّ خيرٍ إلى الله، كما قال الرَّسول يعقوب: “كلُّ عطيَّةٍ صالحةٍ وكلُّ موهبةٍ تامةٍ هي من فوق، نازلة من عند أبي الأنوار” (يعقوب 1: 17)، إلاَّ أنّه يصبح مغلوطًا حين تنحصر ثمرة البِرّ بالخيرات الزَّمنيَّة، ويُختزل رضى الله في ما يُقتنَى، فيما يُعتبَر الحرمان أو العُسر دليلًا على الغضب الإلهيّ.

لكنَّ الكتاب المقدّس ذاته يقدّم نماذج مضيئة لأبرارٍ لم تتّفق حياتهم مع هذا المقياس الظّاهريّ. فحنَّة ، أمّ صموئيل، كانت عاقرًا، وبكت بكاءً مرًّا “وبَكَتْ بكاءً” (1 صموئيل 1: 10)، رغم أنَّها كانت أمينة في عبادتها. وزكريّا وأليصابات، والدا يوحنا المعمدان، قيل عنهما أنّهما “كانا كلاهما بارّين أمام الله، سالِكَينِ في جميع وصايا الربّ وأحكامه بلا لوم، ولم يكن لهما ولدٌ” (لوقا 1: 6-7). كذلك يواكيم وحنّة، جَدَّا الرَّبّ يسوع، بحسب التَّقليد الكنسيّ، عُدّا من الأبرار رغم عُقمهما الطَّويل.

في ذلك الزَّمان، كان يُعتبر الغِنى علامةً على رضى الله، والفقر عقوبة، كما جاء في سفر الأمثال: “كَمَا أَنَّ الْبِرَّ يَؤُولُ إِلَى الْحَيَاةِ كَذلِكَ مَنْ يَتْبَعُ الشَّرَّ فَإِلَى مَوْتِهِ” (أمثال 11: 19)، وغالبًا ما فُهِمَ هذا على المستوى الزَّمنيّ، لا الأبديّ. وكذلك العقم عُدّ لعنة، في حينِ أنَّ الخصوبة اعتُبِرت بركة.

وإلى يومنا هذا، قد يستمرّ هذا التَّفكير في الحكم على الآخرين من خلال مقياسٍ زمنيٍّ وماديّ، متناسين أنَّ المسيح نفسه، الإله المتجسِّد ، “ليس له أين يسند رأسه” (متى 8: 20)، وأنّ البرّ الحقيقيّ يُقاس بالقرب من الله، لا بما نقتنيه أو نفتقده في هذا العالم.

*             *             *

لقد عبّر الرَّبّ بوضوح عن أولويّة الحياة الرُّوحيَّة حين قال: “اطلبوا أوَّلاً ملكوت الله وبرّه، وهذه كلّها تُزاد لكم” (متى 6: 33)، مشيرًا إلى أنَّ البركات الزمنيّة ليست هدفًا بذاتها، بل تُمنح تِلقائيًّا للإنسان الَّذي يسلك في سبيل الله ويطلب مجده. ويؤكِّد الرَّسول بولس هذا المنهج بقوله: “لأنّ ليس ملكوت الله أكلاً وشربًا، بل هو برٌّ وسلامٌ وفرحٌ في الرُّوح القدس” (رومية 14: 17)، رابطًا العلاقة بالله بثمار الحياة في الرُّوح، لا بمقاييس هذا الدهر.

ولذلك، فإن بركة الله ترافق الإنسان في كلّ جوانب وجوده، الماديّة والروحيّة، الظَّاهرة والخفيّة، لأنّه “يعطي الجميع حياةً ونفسًا وكلّ شيء” (أعمال 17: 25)، وهو “يُفيض النِّعمَة بغير مكيال” (يوحنا 3: 34). ولكن الإنسان كثيرًا ما يصعب عليه إدراك حكمة الله، إذ يظنُّ أن الطَّريق إلى رضى الرَّبّ يمرّ فقط عبر إتمام الواجبات والفرائض الخارجية، متوقعًا أن يُكافأ بالخيرات الزمنيّة، فيقايض الله وكأنه يستحقُّ بركاته بفضل أعماله.

لكنَّ الله لا يطلب من الإنسان الأفعال الخارجيَّة فحسب، بل قلبه أوَّلًا: “يا بني، أعطني قلبك، ولتلاحظ عيناك طرقي” (أمثال 23: 26). إنّه يدعونا إلى تغيير جذريّ، “فـلا تُشاكلوا هذا الدَّهر، بل تغيّروا عن شكلكم بتجديد أذهانكم” (رومية 12: 2) لنُدرك إرادته الصَّالحة المرضيّة الكاملة، لا فقط لأجل خلاصنا، بل لأجل خلاص العالم أيضًا.

ومن هنا، يمكن للإنسان أن يدرك أنّ البركة الحقيقيّة تكمن في الاتِّحاد بالرَّبّ، والإنتقال من حياة المطالبة إلى حياة المشاركة في بُشرى الخلاص. فالله يدعونا إلى أن نكون نورًا وملحًا في هذا العالم، متغيّرين على صورته، مشاركين في عمل تجديد الخليقة.

*             *             *

يا أحبّة، إنَّ حادثة تكثير الأرغفة الخمسة والسَّمكتَين ليست حدثًا معزولًا في سجلِّ عناية الله بشعبه، بل تأتي امتدادًا لنمط إلهيّ ثابتٍ في الكتاب المقدّس، يُظهر محبَّة الله واهتمامه العميق باحتياجات الإنسان الجسديّة والرُّوحيّة. فالرَّبّ في القديم أطعم الشَّعب في البرّية من المَنّ والسَّلوى على مدى أربعين سنة دون أن يُخلِف وعده (راجع خروج 16)، مثبِّتًا أنّه إله الأمانة والرَّحمة والوفرة.

لكنَّ ما هو جوهريّ في هذه المعجزة لا يتوقّف عند تلبية الحاجات الماديّة، بل يتعدّاها ليكشف أنّ الشَّبع الحقيقيّ ينبع من التَّوْق إلى كلمة الله. فالَّذي يجوع إلى البِرّ، يُشبعهُ الرَّبُّ، كما قال يسوع: “طوبى للجياع والعطاش إلى البِرّ، لأنّهم يُشبعون” (متى 5: 6). من يطلب الرب، لا يطلبه من أجل خيرات زائلة، بل رغبةً في نوال الحياة الأبديّة، في أن يصير ابنًا لا أجيرًا، مُتغيّرًا بالنعمة إلى صورة المسيح، مشاركًا في بهاء مجده.

والمعجزة، إذ تذكّرنا أنّ الله لا يبخل، بل يُفيض، تضع نصب أعيننا أنَّ أعظم خيرات الله ليست الطَّعام أو الغنى، بل سُكناه في داخلنا، بنعمته ومجده، عربونًا للفرح الآتي وثمار ملكوته السَّماوي فينا. هذا هو النُّور الذي أشرق على جبل ثابور، عندما تجلّى الرب أمام بطرس ويعقوب ويوحنا، فاختبروا بهاء الملكوت قبل أوانه (راجع متى 17: 1–8).

لذلك، فلنوجّه قلوبنا إلى معرفة مشيئة الله، مستنيرين بكلمته، ومنقادين بروحه، لكي نحيا كأبناء النُّور، وننمو في شركته، ونتمجّد فيه. فإنَّ إرادته “صالحة ومَرْضيَّة وكاملة” (رومية 12: 2)، وهي الطريق الوحيد نحو الخلاص الحقيقيّ. فنسير معه هنا، ونفرح به هناك، بفيض نعمته ونور وجهه، إلى الدَّهر الآتي، آمين.

ومن له أذنان للسَّمْعِ فليسمع…

+ أنطونيوس

متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما

مواضيع ذات صلة