نشرة كنيستي- الأحد (9) بعد العنصرة- العدد 32
10 آب 2025
كلمة الرّاعي
رقاد وانتقال والدة الإله مريم البتول
“في رقادكِ ما أهملتِ العالم” (طروباريَّة عيد الرُّقاد)
في التَّقليد الأرثوذكسيّ، يُحتفل بعيد رقاد والدة الإله مريم في الخامس عشر (15) من آب، وهو من أعظم الأعياد المريميَّة، ويُحتفل فيه برقاد والدة الإله وانتقالها إلى السَّماء بالجسد، وهو تاليًا يُعبّر عن نهاية حياتها الأرضيَّة وانتقالها إلى المجد السَّماويّ.
بعد حياةٍ مليئةٍ بالطَّهارة والطَّاعة لله، شعرت السَّيِّدة العذراء بقرب ساعة رقادها. بحسب التَّقليد، أُعلن لها ذلك من قبل رئيس الملائكة جبرائيل، الَّذي بشّرها بأنها ستنتقل إلى الحياة الأبديَّة بعد ثلاثة أيَّام.
بمعجزةٍ إلهيَّة، اجتمع الرُّسُل من أقاصي الأرض، حيث كانوا يبشِّرون، وحُمِلوا على السُّحب إلى بيت مريم في قرية الجثسمانيَّة في أورشليم. هناك، أحاطوا بها وصلّوا معها، وودّعوها بحزن ممزوج بالرَّجاء.
في اليوم الثَّالث، رقدت والدة الإله بسلام، وسط تسبيح الرُّسُل وصلواتهم. وُضع جسدها الطَّاهر في قبرٍ في وادي قدرون بالقرب من جبل الزَّيتون، قرب جبل الزَّيتون، وهذا المكان معروف على أنّه قبر والدة الإله منذ القرون الأولى.
* * *
في التَّقليد الأرثوذكسيّ، يُروى أنَّ الرَّسول توما لم يكن حاضرًا عند رقاد والدة الإله مريم، كما حدث في قصَّة القيامة حين غاب عن ظهور المسيح الأوَّل للرُّسُل. ولكنَّ هذه الغيبة لم تكن نقصًا، بل كانت مدخلًا إلى إعلانٍ إلهيٍّ جديد.
بحسب التَّقليد الشَّفهيّ الَّذي نقله الآباء القدِّيسون، أتى توما بعد ثلاثة أيَّامٍ من رقاد والدة الإله، وقد حملته سحابة من الرُّوح القدس إلى أورشليم، حيث التقى بالرُّسُل الَّذين كانوا قد دفنوا جسدها الطّاهر في الجسمانية.
توما، الَّذي لم يشهد الرُّقاد، طلب أن يُفتح القبر ليرى الجسد ويودّعها. وعندما فتح الرُّسُل القبر، وجدوه فارغًا، فتيقَّنوا أنَّ العذراء قد انتقلت بجسدها إلى السَّماء، كما سبق وانتقل ابنها الإلهيّ.
في بعض الرِّوايات، يُقال أنَّ العذراء ظهرت لتوما وعاينها في السَّماء، محاطةً بالملائكة، وأعطته زنَّارها كعلامةٍ وبرهانٍ على انتقالها بالجسد. هذا الزّنَّار يُكرّم في التَّقليد الأرثوذكسيّ، وهو محفوظٌ في دير فاتوبيذي في جبل آثوس إلى اليوم.
* * *
غياب توما ثمّ حضوره المتأخِّر كان بتدبيرٍ إلهيّ وسيلة إلهيَّة لإعلان انتقال العذراء بالجسد، تمامًا كما كان غيابه عن القيامة سببًا لإعلان حقيقة قيامة المسيح بالجسد باليَقين والدَّليل. وهكذا، فإنَّ توما يُعتبر مسبِّبًا لكشف سرّ قيامة والدة الإله بعد رقادها، وانتقالها بالجسد إلى المجد السَّماويّ، وهو مع الرُّسُل الآخَرين شهود لذلك.
بالحقيقة، هذا العيد هو عربون قيامتنا كَوْن العذراء مريم هي أوّل إنسان بعد الرَّبّ يسوع المسيح يقوم بالجسد ويدخل ملكوت السَّماوات ويقتني الحياة الأبديَّة. صحيح أنَّ يسوع قام من بين الأموات، لكنَّ مريم أيضًا أقامها يسوع لتكون الباكورة لقيامتنا جميعا بالجسد في اليوم الأخير من قبل ابنها.
بدون رجاء القيامة بالجسد واقتناء الحياة الأبديَّة ودخول ملكوت السَّماوات لا معنى للحياة. القيامة بالجسد أساس إيماننا، ويسوع حقَّق لنا هذه القيامة وأوّل من تنعّم بسرّ الفداء هذا هي مريم والدة الإله الَّتي قطفت ثمرة قيامة يسوع بالجسد بأن أقامها هي أيضًا بالجسد قبل الأوان أي قبل نهاية العالم والدَّينونة العامَّة.
اِنطلاقًا من هذا الإيمان بالقيامة وهذا البرهان الَّذي منحنا إيَّاه يسوع أيضًا في مريم، نحن نعيش في طاعة الوصية الإلهيَّة طالبين نعمة الروح القُدس لكي نستطيع أن نتمّم مشيئة الله وأن نتطهّر من خطايانا، محتملين التَّجارب والضِّيقات ومحارِبين أهواءنا وشهواتنا وتائبين عنها، وعالمين أنّ الَّذي مشى على البحر وأنقذ تلاميذه من العاصف هو معنا وهو قادر أن ينقذنا من كلّ الشدائد. هذا هو تجسيد إيماننا بالقائم من بين الأموات بشفاعة والدته الكلِّيَّة الطَّهارة شفيعتنا الحارَّة والَّتي طلبتها لا تُرَدّ…
ومن له أذنان للسَّمع فليسمع…
+ أنطونيوس
متروبوليت زحلة وبعلبك وتوابعهما