Menu Close
kanisati

نشرة كنيستي

نشرة أسبوعية تصدر عن أبرشية زحلة وبعلبك وتوابعهما للروم الأرثوذكس. أعاد إطلاقها الميتروبوليت أنطونيوس في فصح ٢٠١٧.

الأحد 19 نيسان 2020    

العدد 16

أحد الفصح العظيم المقدّس 

أعياد الأسبوع: *19: أحد الفصح العظيم المُقدّس، الشّهيد في الكهنة بفنوتيوس *20: إثنين الباعوت، البارّ ثيوذورس الشّعريّ، القدّيس أنستاسيوس بطريرك أنطاكية المُعترف، زكّا العشّار *21: الشَّهيد في الكهنة يَنوّاريوس ورفقته، أنستاسيوس السّينائي *22:  ثاوذوروس السّيقي، الرّسول نثنائيل *23: العظيم في الشّهداء جاورجيوس اللّابس الظّفر *24: تذكار تجديد هيكل الكلّيّة القداسة سيّدتنا أم الإله الينبوع الحيّ، البارّة أليصابات العجائبيّة، الشَّهيد سابا *25: الرّسول مرقس الإنجيليّ.

كلمة الرّاعي

رَجَاءُ الْخَلِيقَةِ

"هذا هو اليوم الّذي صنعه الرَّبّ"

(مزمور 118: 24)

النّسوة المفجوعات من الطّريقة الّتي قُتل بها "المعلّم"، ورغم الخوف الّذي سيطر على تلاميذ الرّبّ يسوع المسيح، لم تجزعن لا من الظّلام قبل السّحر العميق، ولا من حرَّاس القبر وأسيادهم، فذهبن باكرًا جدًّا مسرعات لتتمّمن عمل المحبّة وإكرام الميت، إذ أردن أن تطيِّبن جسد الـ"رابّوني"، لكنّهن لم يجدن الجسد المأثور ... كان القبر فارغًا ... اين اختفى "المعلّم"؟! ... هل سُرِق جسد يسوع؟! ... ما الّذي حدث؟! ...

*          *          *

"هذَا هُوَ الْكَلاَمُ الّذي كَلَّمْتُكُمْ بِهِ وَأَنَا بَعْدُ مَعَكُمْ ..." (لوقا 24: 44). أنبأ الرّبّ يسوع تلاميذه بأنّه ينبغي لابن الإنسان أن يتألّم ويرذل من شعبه والرُّؤساء ولكنّه سيقوم في اليوم الثّالث. من كان يصدّق أنّ ميتًا يقوم بعد كلّ ما مرّ به يسوع من تعذيبات وسياط وصلب ... هذا أمر مستحيل! ... لكن، ليس على سيّد الحياة والموت، على خالق السّماء والأرض ... هذا ما خَلَقَنَا الله لأجله ... الحياة بالمطلق! ... لأنّ الله هو الحياة. قيامة الرَّبّ يسوع بالجسد هي التّحقيق الكلّيّ لقيامة البشريّة في اليوم الخير فيه. بالنّسبة لنا، كمؤمنين بالرّبّ يسوع المسيح القائم من بين الأموات، موت الجسد لم يعد مأساة البشريّة لأنّ دواءه صار متوفِّرًا وهو القيامة في اليوم الأخير. الخطورة، على هذا النّصر النّهائيّ على الموت الجسديّ، تأتي من الموت الرّوحيّ أي من عبادة الذّات ... نعم، مشكلة الإنسان أنّه يعبد نفسه معتبرًا أنّ كلّ هذه الحياة هي لأجله ولأجله فقط. ما معنى هذا؟! هذا يعني أنّ الإنسان يريد أن يسخِّر كلّ شيء لأجل انوجاده في ما يُشْعِرُهُ بأنّه قابضٌ على الحياة، أي الآخَر والخليقة، والآخَر بالمُطلق هو الله الّذي يمكن للإنسان أن يجعل من صورة إيمانه به الكاذبة وسيلة لتأليه ذاته أو بالعكس يمكن أن يجعل من رفضه له ولوجوده أداة لتسييد ذاته ...

*          *          *

"فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الْخَلِيقَةِ تَئِنُّ وَتَتَمَخَّضُ مَعًا إِلَى الآنَ. وَلَيْسَ هكَذَا فَقَطْ، بَلْ نَحْنُ الّذينَ لَنَا بَاكُورَةُ الرُّوحِ، نَحْنُ أَنْفُسُنَا أَيْضًا نَئِنُّ فِي أَنْفُسِنَا، مُتَوَقِّعِينَ التَّبَنِّيَ فِدَاءَ أَجْسَادِنَا" (رومية 8: 22 – 23). رجاء الخليقة والبشر هو افتداء أجسادنا بالقيامة العامّة، لأنّ الخليقة المنظورة وغير المنظورة هي في الإنسان، والإنسان في المسيح والمسيح قام، ولذلك الكلّ إلى قيامة في المسيح، حيث الخليقة الجديدة الّتي صورته فيها مُحَقَّقة أبدًا ...

لقد تفتّحت أبواب الجحيم ... بعد قيامة يسوع لا يستطيع إبليس القبض على البشر المتلصقين بالله، فقط أولئك الّذين رفضوا الخلاص بمسيح الرّبّ يبقى له (أي لإبليس) عليهم سلطان، هؤلاء هم مَن يسلكون ضدّ المحبّة الّتي كشفها الرّبّ يسوع على أنّها الحياة الأبديّة. من يحبّ الرّبّ يحبّ الإنسان، ومن لا يحبّ الإنسان لا يمكنه أن يحبّ الرّبّ، وما عدا ذلك كلام باطِل ...

*          *          *

أيُّها الأحباء، زمن الخوف ولَّى لأنَّ سيِّد الوجود منح المؤمنين به الغلبة على الموت بالقيامة. لقد دخلنا زمنًا جديدًا، زمن الحبّ الإلهيّ الّذي هو الله، الّذي هو الرَّبّ يسوع المسيح والّذي هو الرّوح القدس. من أُسِر من هذا الحبّ السّماويّ يتحرَّر من كلّ قيد نفسيّ وجسديّ لأنّه يصير كلّه روحًا من روح الله وفيه بالمسيح القائم من بين الأموات.

المشكلة أنّه يوجد بشر يرفضون هذا الإله-المحبَّة، يتمسَّكون بعتاقتهم، بأفكارهم، بمشيئتهم، بتمحورهم حول نفسهم ... هؤلاء وضعهم صعب ومؤلم لأنّهم لن يجدوا راحة ... لا راحة خارج الحبّ غير المشروط ... هذه هي حقيقة القيامة في حياتنا، فهل نحتملها؟! ... أم هي صليب لعقولنا ولمشاعرنا وأحاسيسنا الّتي تتحكّم بنا؟! ...

المسيح قام، فلا أحد بعد في العتاقة إذ كان له أمّا الّذي يرفضون قيامته فهم يرفضون عمل الرّوح القدس فيهم أي قوّة الحبّ الإلهيّ ...

قيامة المسيح دعوة لنا إلى طلب الموت عن هذا العالم، لأنّه بغير هذا لا نستطيع أن نشاركه قيامته ...

ومن له أذنان للسَّمع فليسمع ...

+ أنطونيوس

مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما

طروباريّة القيامة (باللَّحن الخامس)

المسيحُ قامَ من بينِ الأموات، ووَطِئَ الموتَ بالموتِ، ووَهَبَ الحياةَ للَّذينَ في القُبُور.

الإيباكويي (الطّاعة)(باللّحن الرّابع)

سَبَقتِ الصُّبحَ اللَّواتي كُنَّ مع مريم، فَوَجَدْنَ الحجَرَ مُدحْرَجاً عَن القَبْرِ، وَسَمِعْنَ الملاكَ قائِلاً لهنَّ: لِمَ تَطلُبْنَ مع الموتى كإنسانٍ الّذي هُوَ في النُّورِ الأزليّ، أُنْظُرْنَ لَفَائِفَ الأكْفَانِ وأسْرِعْنَ وَاكْرِزْنَ في العالَم بأنَّ الربَّ قَدْ قامَ وأمَاتَ الموتَ، لأنَّه ابنُ اللهِ المُخَلِّصُ جِنْسَ البَشَرِ.

قنداق الفصح (باللَّحن الثّامن)

وَلَئِنْ كُنْتَ نَزَلْتَ إلى قبرٍ يا مَن لا يموت، إِلَّا أَنَّكَ دَرَسْتَ قُوَّةَ الجحيم، وقُمْتَ غالِبًا أَيُّها المسيحُ الإله، وللنِّسوَةِ حامِلاتِ الطِّيبِ قُلْتَ افْرَحْنَ، ولِرُسُلِكَ وَهَبْتَ السَّلام، يا مانِحَ الواقِعِينَ القِيَام.

 الرّسالة (أع 1: 1– 8)

هذا هُوَ اليَوْمُ الّذي صَنَعَهُ الرَّبّ، فَلْنَفْرَحْ وَنَتَهَلَّلْ بِهِ

اعْتَرِفُوا للرَّبِّ فإنَّهُ صالحٌ، وإنّ إلى الأبدِ رَحْمَتَهُ

إنّي قد أنشأتُ الكلامَ الأوّلَ يا ثاوفيلَسُ في جميع الأمورِ الّتي ابتدأ يسوعُ يَعمَلُها ويُعلِّمُ بها، إلى اليومِ الّذي صَعِدَ فيهِ، مِن بَعدِ أَنْ أَوْصى بِالرُّوحِ القُدُسِ الرُّسُلَ الّذينَ اصطَفاهُم، الّذين أراهُمْ أيضًا نفسَهُ حيًّا بَعْدَ تألُّمهِ ببراهينَ كثيرة، وهو يتراءَى لهم مدَّة أربعينَ يومًا ويُكلِّمُهُم بما يختصُّ بملكوتِ الله. وفيما هو مجتمعٌ معهم أَوْصاهُمْ أن لا تَبْرَحُوا مِن أورشليمَ بَلِ انتَظِرُوا مَوعِدَ الآبِ الّذي سَمِعْتُمُوهُ مِنّي، فإنَّ يُوحنّا عمَّدَ بالماء، وأمَّا أنتم فستعمَّدُونَ بِالرُّوحِ القُدُسِ، لا بعدَ هذه الأيّامِ بِكَثير. فسألهُ المجتمعونَ قائلينَ: يا ربُّ أفي هذا الزّمانِ تَرُدُّ المُلْكَ إلى إسرائيل؟ فقالَ لهم ليس لكم أن تَعْرِفوا الأزمنة أو الأوقاتِ الّتي جعلَها الآبُ في سلطانِه، لكنَّكم سَتَنالُونَ قُوَّةً بِحُلُولِ الرُّوحِ القُدُسِ عَلَيكُمْ، وَتَكُونونَ لي شهودًا في أورشليمَ وفي جميع اليهوديَّةِ والسّامرة، وإلى أقصى الأرض.

الإنجيل (يو 1: 1– 17)

في البدءِ كانَ الكَلِمةُ، والكَلِمةُ كانَ عندَ الله، وَكانَ الكَلِمَةُ اللهَ. هذا كانَ في البدءِ عندَ الله. كُلٌ بهِ كانَ وبغيرِهِ لَم يكُنْ شَيءٌ ممَّا كُوّن. بهِ كانتِ الحياةُ، والحياةُ كانَتْ نُورَ النّاس. والنُّورُ في الظُّلمَةِ يُضيءُ، والظّلمَةُ لم تُدْرِكْهُ. كانَ إنسانٌ مُرسَلٌ مِنَ اللهِ اسمُهُ يُوحَنَّا. هذا جاءَ لِلشَّهادَةِ لِيَشْهَدَ لِلنُّور، لكي يؤمنَ الكلُّ بِواسطتِهِ. لم يكنْ هوَ النُّورَ بَلْ كان ليشهَدَ للنّورِ. كانَ النُّورُ الحقيقيُّ الّذي يُنِيرُ كُلَّ إنسانٍ آتِيًا إلى العالم. في العالَمِ كان، والعالَمُ بهِ كُوِّنَ، والعالمُ لَمْ يَعرِفْهُ. إلى خاصَّتِهِ أتى، وخاصَّتهُ لم تقبَلهُ. فأمَّا كلُّ الّذينَ قَبِلوهُ فقد أعطاهُم سُلطانًا أن يكونوا أولادًا للهِ، الّذينَ يؤمنون باسمِهِ، الّذينَ لا مِن دَمٍ، ولا مِنْ مشيئةِ لحمٍ، ولا مِن مشيئة رَجُلٍ، لكنْ مِنَ الله وُلِدوا. والكلمَةُ صارَ جسدًا وحلَّ فينا (وقد أبْصرْنا مجدَهُ مجدَ وحيدٍ من الآب) مَملُوءًا نِعمةً وحقًّا، ويُوحَنَّا شَهِدَ لهُ وصرَخَ قائلًا: هذا هُوَ الّذي قُلتُ عَنهُ إنَّ الّذي يَأتي بَعدي صارَ قبلي لأنَّهُ مُتَقَدِّمي. وَمِنْ مِلْئِهِ نحنُ كلُّنا أخَذْنا وَنِعمةً عِوَضَ نِعمة. لأنَّ النّاموسَ بموسى أُعطِيَ. وأمَّا النِّعمَةُ والحقُّ فبِيسُوعَ المسيحِ حَصلا.

حول الإنجيل

إن بداية الإنجيل تذكّرنا ببداية سفر التّكوين، العبارة نفسها الّتي استخدمها النّبي موسى: "في البدء" (تك1: 1)، وكأنِّي بالرَّسول يوحنَّا يقارِن بداية إنجيله مع بداية رواية النّبيّ موسى، حين كان الكلمة الخالقُ والمُبْدِعُ موجودًا في الخَلْقِ، وهو الموجود من قبل الخلق. الكلمة هو من أخبر موسى أنّه كان منذ البدء، "الكائن أرسلني". وهكذا نفهم أنّ الله الآب "خلق السماء والأرض" (تك 1:1) بكلمته (الابن) "الّذي به كان كلّ شيء وبغيره لم يكن شيء مما كُوِّن" (يو 1: 3).

 يبدأ الرَّسول يوحنَّا إنجيله بالكلام والتّشديد على أزليّة الكلمة ووجوده قبل الخليقة، أي أنّ الكلمة ليس مخلوقًا، بل كان عند الله الآب، إنّها ولادة الابن الأزليّة من الآب. يُظهر لنا العلاقة الحميميَّة والوثيقة بين الله الآب والله الكلمة، ولكن يفرّق بين شخص الآب وشخص الكلمة، وأنّ الكلمة هو أيضًا من طبيعة الآب عندما قال: "وإلهًا كان الكلمة". إذًا، الكلمة أزليٌّ، قبل الخليقة وقبل الزّمن، وهو إلهٌ، الكلمة هو إلهٌ حقيقيّ. هو مشارِكٌ فاعِلٌ في الخلق وخالقٌ، وبما أنَّ الكلّ به كان، وبغيره لم يكن شيء ممّا كُوِّن (يو 1:3)، فهو إذًا سيّد الخليقة بأسرها، وهي في المقابل تدين له بوجودها، وعليها الاعتراف بخالقها وتقديم الطّاعة له انطلاقًا من محبّتها له، لأنّه هو أحبّها أوّلًا، وما زال يحبّها، وسيبقى في هذا الحبّ الخالِق إلى الأبد.

ويتدرّج الرَّسول الحبيب في كلامه عن الكلمة، ليؤكّد بأنّه هو الحياة، هو مبدأ حياة الخليقة والنّاس، ومن هذه الحياة يصدر النّور الّذي يُنير البشر. الكلمة هو حياةُ ونورُ الخليقة، ليقول الرَّسول لنا بأنّه ليس للخليقة حياة من ذاتها، بل تستمدّها من نبع الحياة، من بارئها. هي تستمدّ وجودها منه، وتستمدّ حياتها واستمرارها أيضًا. المسيح الكلمة هو النّور الحقيقيّ الّذي ينير كلّ إنسانٍ آتٍ إلى هذا العالم، هو نور الحقّ. هو نورُ وحياةُ العالم المنظور وغير المنظور، لهذا بالضَّبط أضاف الإنجيليّ عبارة "بغيره لم يكن شيء" و"ممّا كُوِّن" (يو1: 3).

ثم يصل الرَّسول إلى الكلام عن تجسُّد الكلمة بين البشر، ورغم تجسّده بقي إلهًا. ولكنَّ العالم لم يعرِفْه، الملتصقين بالعالم وملذّاته والمُهتمّين بما في هذا هم مَنْ لم يعرفوه، ولا خاصَّته قَبِلَتْهُ، فاليهود، شعبه الّذي اختاره، رفضوه ولم يقبلوا به. لا إسرائيل ولا العالم عرفَا مَن الّذي خلقهما ومَنْ الّذي يُنيرهما. وأمّا الّذين قبلوه فأعطاهم أن يصيروا أولادًا لله بالتَّبنِّي. صورة هذا التّبني الإلهيّ نلناها في المعموديّة طوال حياتنا، هذه هي الولادة الثّانية بالرّوح، لا من لحمٍ ودم (يو 1: 13). ومن خلال هذا التّبنّي بالنّعمة الإلهيَّة نتشابه مع المسيح وندخل في علاقة معه، ونصبح وارثين لله مع المسيح.

 "الكلمة صار جسدًا وسكن بيننا" (يو 1: 14)، الكلمة الإله جعل مسكنه بين النّاس، أي أنّ جسده أصبح هو مكان حضور الله. في العهد القديم كانت خيمة الشّهادة هي مكان سكنى الله بين شعبه، ثمّ أصبح لاحقًا هيكل أورشليم هو مكان سكنى الله بين شعبه، ومع تجسّد الكلمة أصبح جسده الّذي اتّخذه من العذراء البتول هو مكان حضور وسكنى الله بين شعبه، وهو مكان اتّحاد الله بالبشر، ومعاينة مجده الإلهيّ، لهذا يقول الرَّسول:"الكلمة صار جسدًا وسكن بيننا، ورأينا مجده" (يو 1: 14)، وبالتالي فإنَّنا أدركنا ألوهيّة الكلمة وحيد الآب، لأنّ مجده هو مجد الآب.

فالرَّسول يوحنَّا، الّذي اتَّكأ على صدر المُعلّم، يكلّمنا الكلام الأعظم والأكمل عن لاهوت الكلمة وأزليّته، لأنّه تسلّم تعليمه من الرّبّ يسوع مباشرةً. لهذا، تجاوز باقي الإنجيليِّين ولم يتكلّم عن بشارة العذراء، أو ولادة يسوع منها، طفولته، نسبه، وتربيته، بل يتجاوزها كلّها ليبدأ  كلامه عن ولادة الكلمة الأزليّة. كما أنّه، من البداية، يشير إلى القيامة ويُعلِّمنا عنها، لأنّه عندما سكن الكلمة بيننا، انحلّ سلطان الموت، وأضاء النّور ولم يعد هناك من ظلمة، فالحياة ستبقى فينا دائمًا، والموت لن يقدر بَعدُ على الحياة.

إذًا، الرَّسول الحبيب يقدّم لنا في هذا المقطع القصير تعليمًا دقيقًا ومُفصّلًا حول شخص الكلمة الأزليّ. قبل خلق العالم عندما كان في حضن الآب، وفي الخلق، وعند تجسّده، وقيامته، وتبنّيه للّذين قبلوه وآمنوا به. وكيف أنَّ الخليقة كلَّها المنظورةِ وغير المنظورة مرتبطةٌ به، هي منه وله، وهو مصدر حياتها، وهو الّذي يربطنا نحن البشر بالله الآب. ومشيرًا بشكلٍ مُبطّنٍ منذ البداية إلى قيامة المسيح ومجده وانتصاره، وإعطاءه لنا نحن الأبناء النّعمة والحقّ.

انتصار الحياة

الفصح، إذا عرّفناه، هو انتصار الحياة على الموت. هذا الانتصار ليس لمبادئ وأفكار مجرّدة بل هو انتصار تحقّق في شخص حيّ، يسوع المسيح، به تمّت الغلبة على الموت وبه يعيش الإنسان يسوع المسيح إلى الأبد دون أن يكون للموت عليه سلطان. هذه القيامة الفصحيّة غريبة ومذهلة، انبعثت من مقرّ الموت وجحره، من القبر المغلق، من الجحيم. القبر مقرّ الانحلال والفساد غدا نقطة انطلاق الحياة، الرّحم الثّاني الّذي، منه، تولد الحياة الّتي لا تعرف الموت. للوصول إلى الحياة لا بدّ من دمٍ يُسفك وألمٍ يُعانى وموتٍ يُذاق. لذا المسيحيّة لا تقف عند الألم والموت وتندبهما وفي الوقت عينه لا تتجاهلهما بل تواجههما لتعبر عبرهما إلى الحياة. من كان يدرك أنّ الحياة ترقد داخل قبر لتنفجر، في غفلةٍ، نبعَ حياةٍ يغمر الكون ويُحييه؟ من كان يرى في جسد يسوع الّذي من النّاصرة الّتي لا يخرج منها شيئٌ صالحٌ، الجسد المجرّح الذّليل، الشّفاء والنَّضارة والمجد الإلهيّ؟ السِّرّ عظيم ولا يسعنا أن نواجهه إلّا بذهولٍ مسلِّمٍ لله.

هذه الحقائق الإلهيّة فسّرها الضّمير الكنسيّ في مختلف نواحي الحياة: في الطّقوس، في الكتابات، في الإيقونات وفي العادات الشّعبيّة الّتي كانت ولا تزال الأقرب إلى تجسيد هذه الحقائق. ومن هذه العادات البَيْض الأحمر. البيضة صورة عن القبر المغلق الحاوي الحياة في داخله. فالحياة داخلها راقدة تنتظر صبر الدّجاجة الّتي تحضنها كما تنتظر كسر هذا الطّوق لتظهر. في كلّ تهشيم للقشرة ظهورُ حياةٍ أمّا إذا بقيت القشرة مغلقة فهذا يعني أنّ الحياة ماتت داخلها. ومن عادات شعبنا أن "يتفاقصوا" بالبيض وعند ضرب البيضة بالأخرى تقال عبارة "المسيح قام". هل أدركنا روعة العادات المسيحيّة الأصيلة وأهميّتها إذا تعرّفنا إلى معانيها؟

كثيرة هي العادات الّتي تفقد معناها مع مرور الزّمن وبخاصّة إذا لم تفسَّر للشّعب ولم تفَكّ رموزُها. فعادة البيض تتّجه نحو هذا الخطر. عندما ذكرنا البيض أرفقناه بالأحمر فالعادة تقضي بصبغه بالأحمر دون سائر الألوان ودون التفنّن بتزيينه. لماذا التّشديد على الأحمر دون سواه؟ فهذا اللّون يرمز إلى الدّم، إلى الشّهادة والألم. إذا أردنا أن نعبر إلى الحياة لا بدّ من عبور هذه القشرة الحمراء المصبوغة بالشّهادة الألميّة، شهادة الصّليب.

تقضي العادة عند بعض الشّعوب الأرثوذكسيّة أن يُصبغ البيض مساء الخميس العظيم وأن توضع قماشةٌ حمراء على باب المنزل. هذا يذكّرنا بحادثة خروج الشّعب الإسرائيليّ من أرض العبوديّة إلى أرض الحرّيّة. عندها طلب الرَّبّ من موسى أن يأمر شعبه بإقامة الفصح الأوّل عبر ذبح جملٍ صحيحٍ ومسح أبواب منازلهم بدمه حتّى يعبر عنهم الموت (خر1، 20). هذا كان رمزًا اكتمل في ذبيحة الصّليب الّتي بها نجونا من الموت ونلنا الحياة الأبديّة.

اليوم، ونحن نعيّد الفصح الجديد، نعيش هذا الانغلاق في منازلنا وكنائسنا ونسأل الرَّبّ أن يعضدنا لنحطّم قشور هفواتنا وجرائمنا الّتي اجترمناها تجاه الإنسان والخليقة حتّى تشعّ الحياة الجديدة الي من المسيح في بلدنا والعالم أجمع.

الحياة أقوى من الموت فلنساهم في بثّها في العالم عبر إيماننا بانتصارالمسيح الحياة وعبر سلوكٍ مسؤولٍ يعكس دورنا الخلّاق في حفظ خليقة الله والبلوغ بها سالمةً بهيّةً إلى يوم الرَّبّ الأخير.

انقر هنا لتحميل الملف