Menu Close
kanisati

نشرة كنيستي

نشرة أسبوعية تصدر عن أبرشية زحلة وبعلبك وتوابعهما للروم الأرثوذكس. أعاد إطلاقها الميتروبوليت أنطونيوس في فصح ٢٠١٧.

الأحد 16 أيّار 2021                     

العدد 20

أحد حاملات الطّيب 

اللّحن 2- الإيوثينا 4

أعياد الأسبوع: *16: تذكار النّسوة حاملات الطّيب القدّيسات، ويوسف الرّامي الّذي كان تلميذًا مخفيًّا ومعه نيقوديموس التّلميذ اللّيليّ، وتذكار البارّ ثيوذورس المتقدّس *17: الرَّسولان أندرونيكوس ويونياس *18: الشُّهداء بطرس ورفقته، القدِّيسة  كلافذيَّة (كلوديا) *19: الشَّهيد باتريكيوس أسقف برصة ورفقته *20: الشُّهداء ثلالاوس ورفقته، نقل عظام القدِّيس نيقولاوس، ليديا بائعة الأرجوان *21: قسطنطين وهيلانة المعادلَي الرُّسل *22: الشَّهيد باسيليسكوس.

كلمة الرّاعي

المرأة مرآة الخدمة في الحبّ

”يَا امْرَأَةُ، لِمَاذَا تَبْكِينَ؟ مَنْ تَطْلُبِينَ؟“ (يوحنّا 20: 15)

المرأة كتلة مشاعِر بِطَاقَةٍ لا نهائيّة في الحبّ أو في الكره، هذا بسبب السّقوط، لكنّها مرشّحة وقادرة أكثر من الرّجل على أن تصير كلّها حبًّا إلهيًّا لأنّها تعرف سرّ الوحدة في التّمايز في كيانها، إذ هي معطاة أن تحمل في أحشائها آخَر مختلف عنها وواحد معها ومنفصل عنها في آن معًا. الأمومة في المسيح هي كشف سرّ الحبّ الإلهيّ خدمةً وعطاءً وبذل ذات كلّي في رجولة الإيمان والجهاد والثبات.

هكذا، حاملات الطّيب تَبِعْنَ الرَّبَّ في كلّ مسيرة بشارته وحتّى الصَّلب والدّفن، ولذلك، أُعطينَ امتيازًا على الرّسل أن تعاينَّ، أوَّلًا، الرّبّ القائم من بين الأموات.

*                      *                      *

الحبّ الطّاهِرُ، في طبيعته، لا ينسجم مع منطق العالم ومقاييسه وأحكامه، لأنّه امتداد دائم بواسطة إخلاء الذّات نحو المحبوب في حركة خروج من الذات لاستقبال المعشوق في الكيان حياةً ووجودًا ومالئًا للقلب...

من هذا الحبّ الَّذي كان يتولَّد بالنعمة في قلوب حاملات الطّيب نحو الرّبّ يسوع والَّذي كان يتطهَّر بالكلمة الإلهيَّة ومرافقتهنّ له، انبعثَتْ خدمتهنّ له ولمن معه فرحًا بالعطاء والتّعب، بلاتأفُّف ولا تذمُّر ولا ”تَرْبِيح منِّيَّة“، إذ كانت هذه الخدمة هي بركة حياتهنّ الَّتي لا تُقدَّر بثمنٍ.

بدون الحبّ لا فرح ولا إمكانيّة لتحمُّل مشاقّ حياة الخدمة والبشارة. الحبّ النّقيّ هو ثمرة النّعمة الإلهيَّة المتنزِّلة على الإنسان إذا ما جاهد بصدق ومثابرة ومعرفة لكي يكون مرضِيًّا للمسيح. بعِشْرَةِ الله نتعلَّم محبّته، وبمحبّته نتعلّم طاعته، وبطاعته نتعلّم صنع مشيئته، وبصنع مشيئته نحقِّق معنى وجودنا.

*                      *                      *

لا حبّ بدون حنان، والحنان يُطهِّرُ الكيان من الشّهوات والأهواء إذا كان منبثِقًا من فعل النّعمة الإلهيَّة في قلب الإنسان. من هنا، الإنسان قلب هو، والمرأة هي قلب القلب إذا كانت للمسيح لأنّها، حينذاك، تحمل في كيانها سرّ الحبّ المُخْصَب بالكلمة الإلهيَّة الَّتي تجعلها متطهِّرة من كلّ شهوة تسلُّط أو تملُّك أو استئثار إذ يكون فرحها أنّها تحمل في أحشائها، في المسيح، كلّ إنسانٍ في المحبَّة بالخدمة والعطاء وبذل الذّات.

النسوة حاملات الطّيب يخبرنا الإنجيل عن الأكثر شهرة بينهنّ كـمريم المجدلية ”وَيُوَنَّا امْرَأَةُ خُوزِي وَكِيلِ هِيرُودُسَ، وَسُوسَنَّةُ وَأُخَرُ كَثِيرَاتٌ كُنَّ يَخْدِمْنَهُ مِنْ أَمْوَالِهِنَّ“ (لوقا 8: 2—3)، تبعن يسوع وتنقَّت قلوبهِنّ بكلمة قدرته الَّتي كنّ يغتذين بها في مرافقتهنّ له في بشارته من خلال شخصه وحياته. لقد كنّ مساهمات في بشارة الرَّبّ عبر اهتمامهنّ بحاجات المعلّم وحاجات التّلاميذ الَّذين كانوا معه، إذ أعطوا كلّ ما لديهنّ ولم يبخلن عليه بشيء كونهنّ صنعن كباقي التّلاميذ حين تركوا كلّ شيء وتبعنه (متّى 19: 29)، لأنّهنّ وجدن لديه ”كلام الحياة الأبديَّة“ (يوحنا 6: 68).

*                      *                      *

أيُّها الأحبَّاء، منذ العهد القديم ومع الرب يسوع المسيح والرسل وما بعد الرسل ودومًا، للمرأة في الكنيسة دور جوهريّ وأساسيّ: هي أمّ. أمومتها سرّ قداستها وقداسة من حولها، لأنّ الأمومة مع الإيمان والتّقوى وطاعة الوصيَّة هي كشف لسرّ الحبّ على الصَّليب، صليب التّضحيّة  والبذل والكدّ والتّعب في فرح قيامة الخليقة الجديدة بالمسيح في ولادة الإنسان على صورة المخلِّص.

المرأة شريكة في خدمة الرّبّ منذ البدء، وتحقيق مشيئته في العالم. كان لها أدوار قياديّة في شعب الله منذ العهد القديم كمريم النبيّة أخت موسى كليم الله أو كدبورة القاضية وغيرهن كثيرات. أمّا مع الرّبّ يسوع فقد رافقنه في البشارة والآلام والصلب والدفن غير آبهات بالمخاطر والمخاوف البشريّة لأنّ محبَّتهنّ له كانت تطرد عنهنّ كلّ خوف خارجًا (راجع 1 يوحنا 4: 18)، ولذلك استأهلنّ أن تكنّ أوّل من يعاين الرّبّ القائم وأن تكرزن للرّسل بالقيامة. وفي زمن الرّسل كنّ يجاهدن مع الرّسل في نقل بشارة الإنجيل (راجع، مثلًا، فيليبي 4: 2—3) وفي خدمة المحتاجين والأرامل والفتيات والنساء والتّعليم. هذه كانت رسالتهنّ الشّموسيّة الّتي تبنّتها الكنيسة وكرّستها على مدى أربعة عشر قرنًا قبل تختفي بسبب الاحتلال العثماني.

اليوم، ما زالت المرأة المؤمنة قادرة ومطلوب منها، بالأكثر، أن تخدم الرّبّ في كنيسته في التّعليم والرعاية للمحتاجين وتعزية المتألّمين والمهملين والمتروكين وفي بثّ روح التّقوى والإيمان لدى الأمهات والفتيات وفي العائلات... لا يكتمل العمل البشاري والرعائيّ والشهاديّ في الكنيسة بدون أن تضطلع الفتاة والمرأة المؤمنتان بخدمة المحبة وعيش الكلمة الإلهيّة في اقتفاء آثار قدمي الرّبّ يسوع في كنيسته وفي العالم للبرّ والقداسة في اقتناء الحبّ النّقيّ بجهاد الطّاعة للربّ المتجسِّد والَّذي صُلب وتألّم ومات وقام من أجل حياة العالم...

ومن له أذنان للسّمع فليسمع...

+ أنطونيوس

مـتروبوليــت زحلة وبعلبك وتوابعهـما

طروباريّة القيامة للإيصوذن (باللّحن الخامس)

 المسيح قام من بين الأموات، ووطئ الموت بالموت، ووهب الحياة للَّذين في القبور.

طروباريّة القيامة (باللَّحن الثّاني)

عندما انحدرتَ إلى المَوْت. أَيُّها الحياةُ الَّذي لا يَموت. حينئذٍ أَمَتَّ الجحيمَ بِبَرْقِ لاهوتِك. وعندما أقمتَ الأمواتَ من تحتِ الثَّرى. صرخَ نحوكَ جميعُ القُوّاتِ السّماويّين. أَيُّها المسيحُ الإله. مُعطي الحياةِ المَجدُ لك.

طروباريّة ليوسف الرّامي (باللَّحن الثّاني)

إنّ يوسفَ المُتَّقي أحدَرَ جسدكَ الطّاهر من العود. ولَفَّهُ بالسَّباني النّقيّة وحنّطَهُ بالطّيب، وأضجعهُ في قبرٍ جديد ووضعهُ فيه. لكنّك قُمتَ لثلاثة أيّام يا ربّ مانحًا العالم عظيم الرَّحمة.

طروباريّة أحد حاملات الطّيب (باللَّحن الثّاني)

إنّ الملاك قد حَضَرَ عند القبر قائلًا للنّسوة حاملات الطّيب. أمّا الطّيب فهو لائقٌ بالأموات، وأمّا المسيح فقد ظهر غريبًا من الفساد. لكن اصرخنَ قائلاتٍ، قد قام الرَّبُّ مانحًا العالم عظيم الرّحمة.

قنداق الفصح (باللَّحن الثّامن)

وَلَئِنْ كُنْتَ نَزَلْتَ إلى قبرٍ يا مَن لا يموت، إِلَّا أَنَّكَ دَرَسْتَ قُوَّةَ الجحيم، وقُمْتَ غالِبًا أَيُّها المسيحُ الإله، وللنِّسوَةِ حامِلاتِ الطِّيبِ قُلْتَ افْرَحْنَ، ولِرُسُلِكَ وَهَبْتَ السَّلام، يا مانِحَ الواقِعِينَ القِيَام.

الرّسالة (أع 6: 1– 7)

قُوَّتي وتسبِحَتي الرَّبُّ أَدَبًا أَدَّبَنِي الرَّبُّ              

وإلى الموت لم يُسْلِمْنِي

 في تلك الأيَّام، لـمَّا تكاثَرَ التَّلاميذ، حدثَ تَذَمُّرٌ من اليونانييِّن على العبرانييِّن بأنَّ أرامِلَهُم كُنَّ يُهْمَلْنَ في الخدمة اليوميَّة. فدعا الإثنا عَشَرَ جُمهورَ التَّلاميذ وقالوا: لا يَحْسُنُ أنْ نترُكَ نحن كلمةَ اللهِ ونخدمَ الموائد، فانتَخِبُوا أيُّها الإخوةُ منكم سبعةَ رجالٍ مشهودٍ لهم بالفضل، ممتَلِئِين من الرُّوح القدس والحكمة، فنقيمَهُم على هذه الحاجة، ونواظِبَ نحن على الصَّلاة وخدمةِ الكلمة. فَحَسُنَ الكلامُ لدى جميع الجمهور، فاختاروا استفانُسَ رجلًا ممتلِئًا من الإيمان والرُّوح القدس، وفيلبُّسَ وبروخورُسَ ونيكانُورَ وتيمُنَ وبَرْمِنَاسَ ونيقولاوُسَ دخيلًا أنطاكيًّا. وأقاموهم أمام الرُّسُل، فَصَلَّوْا ووضَعُوا عليهم الأَيْدِي. وكانت كلمةُ الله تنمو وعددُ التَّلاميذِ يتكاثَرُ في أورشليمَ جدًّا. وكان جمعٌ كثيرٌ من الكهنةِ يطيعونَ الإيمان.

الإنجيل (مر 15: 43– 47، 16: 1-8)

في ذلكَ الزَّمان، جاءَ يوسفُ الَّذي من الرَّامة، مُشِيرٌ تَقِيٌّ، وكان هو أيضًا منتَظِرًا ملكوتَ الله. فاجْتَرَأَ ودخلَ على بيلاطسَ وطلبَ جسدَ يسوع. فاسْتَغْرَبَ بيلاطُسُ أنَّه قد ماتَ هكذا سريعًا، واستَدْعَى قائدَ المئةِ وسأَلَهُ: هل له زمانٌ قد مات؟ ولـمَّا عرفَ من القائد، وَهَبَ الجسدَ ليوسف. فاشتَرَى كَتَّانًا وأَنْزَلَهُ ولَفَّهُ في الكَتَّان، ووضعَهُ في قبرٍ كان منحوتًا في صخرةٍ، ودحرج حجرًا على باب القبر. وكانت مريمُ المجدليَّةُ ومريمُ أمُّ يوسي تنظُران أينَ وُضِعَ. ولـمَّا انْقَضَى السَّبْتُ، اشتَرَتْ مريمُ المجدليَّةُ ومريمُ أمُّ يعقوبَ وسالومَةُ حَنُوطًا ليَأْتِينَ ويَدْهَنَّهُ. وبَكَّرْنَ جدًّا في أوّل الأسبوع وأَتَيْنَ القبرَ وقد طَلَعَتِ الشَّمس، وكُنَّ يَقُلْنَ في ما بينَهُنَّ: مَنْ يُدحرِجُ لنا الحجرَ عن بابِ القبر؟ فَتَطَلَّعْنَ فَرَأَيْنَ الحجرَ قَدْ دُحْرِجَ لأنَّه كان عظيمًا جدًّا. فلمَّا دَخَلْنَ القبرَ رأيْنَ شابًّا جالِسًا عن اليمينِ لابِسًا حُلَّةً بيضاءَ فانْذَهَلْنَ. فقال لَـهُنَّ: لا تَنْذَهِلْنَ. أَنْتُنَّ تَطْلُبْنَ يسوعَ النَّاصِرِيَّ المصلوب. قد قام. ليس هو ههُنا. هوذا الموضِعُ الَّذي وضعُوه فيه. فاذْهَبْنَ وقُلْنَ لتلاميذِه ولبطرسَ إنَّه يسبِقُكُم إلى الجليل، هناك تَرَوْنَهُ كما قالَ لكم. فَخَرَجْنَ سريعًا وفَرَرْنَ من القبرِ وقد أَخَذَتْهُنَّ الرِّعْدَةُ والدَّهَش. ولم يَقُلْنَ لأَحَدٍ شيئًا، لأنَّهُنَّ كُنَّ خائِفَات.

حول الإنجيل

الفصح هو عطيّة الله للإنسان، ليس عطيّة من شيء ماديّ أو حتّى مَعنويّ، إنّما عطيّة الله لذاته متجاوزًا كلّ النّواميس الطّبيعيّة وكلّ الشّرائع المنطقيّة، وذلك لأجل تحقيق هدفٍ واحدٍ هو استعادة الإنسان إلى الحياة الأبديّة ليَصير من جديد ابنًا لله ووارثًا لملكوته. لقد أعطانا المسيح في عهده الجديد الكثير من الأمثال عن صورة الأب الحقيقيّ والرّاعي الصّالح أنّه أتى ليَخدُم لا ليُخدَم، وعَبَّرَ بسموٍّ عظيم عن هذه الحقيقة حين غسل أرجل تلاميذه في عشاءه الأخير معهم قبل ذبح الفصح. تتحدّث رسالة اليوم عن الخدّام الّذين طلب منهم المسيح أن يتمثّلوا به، وعن الحاجة في الكنيسة إلى خدمة المهمَلين والأرامل.

يُعطينا موضوع الشمامسة السّبعة صورة مثاليّة عن المنتخَبين لخدمة حاجات المؤمنين الأرضيّة. ويُحدّد ثلاثة أمور أساسيّة ينبغي توفّرها في المنتخبين (أع 6: 3): أن يكون "مشهودًا لهم" من جماعة المؤمنين، وهذا يعني أن يكونوا موضوع ثقة جماعة المؤمنين؛ فما من عملٍ ينجح ويُثمر إن لم يكن هناك ثقة بالمسؤولين الّذين يُتمّمون هذا العمل. ثانيًا، "مملوئين من الرّوح القدس"، وهذا يعني أنّ العمل هو إلهيّ، ينبغي أن يكون الله هو العامل من خلال هؤلاء الخدّام. ويُظهِر أيضًا أنّ المكرّسين لخدمة الله ينبغي أن يُجاهدوا بالرّوح لتقديس ذواتهم. ثالثًا، مملوئين "حكمة"، وهذه تتعلّق بموهبة التّمييز والتّقوى، الّتي من دونها يحصل في الخدمة ما حصل من إهمال لفئةٍ على حساب فئة أخرى. فكم يحتاج العمل في الكنيسة إلى حكمة لتدبير أمور الرّعيّة بدقّة ترضي الرَّبّ، ومِن صبر وعدم قساوة لأجل احتمال وَهْنِ الضّعفاء والمتذمّرين.

وهكذا كلّ خدمة في الكنيسة مهما كان نوعها هي عمل إلهيّ-بشريّ في الوقت ذاته؛ تباركه الكنيسة وتشهد عليه أنّه يُتمّم بحسب روح الله. فالإنجيل لا يتكلّم فقط عن أشخاصٍ قادرين على الخدمة، إنّما أوضح ماذا تعني الخدمة في الكنيسة وصفات خدّامها. الكنيسة تميّز بين خدمة الرّوح وخدمة الجسد، بحسب ما أُعطي للمؤمنين من مواهب روحيّة. المهمّ أن يكون المحرّك لكلّ خدمة هو الّروح القدس. مهما كان نوع المواهب الطّبيعيّة، ينبغي أن تتحرّك بقوّة الرّوح القدس أي أن تصير روحيّة. إنّه عمل دنيويّ، لا فقط من دون ثمر روحيّ، إنّما قد يكون مملوء عثرات، أن نختار أشخاص نظنّ أنّ نجاحهم في أعمالهم الدّنيويّة كافٍ لاختيارهم لخدمة حاجات الكنيسة الماديّة، دون النّظر إلى حقيقة امتلاكهم حسٍّ روحيّ أم لا. وقد يحصل هذا الأمر أحيانًا كثيرة في اختيار أعضاء مجالس رعايانا الأرثوذكسيّة.

إنّ عمل الرّاعي الأساسيّ هو الصّلاة وخدمة كلمة الله أي البشارة، "وأمّا نحن فنواظب على الصّلاة وخدمة الكلمة" (أع 4:6). الخدمة تنطلق من الدّاخل إلى الخارج؛ أي من الإيمان والنّعمة ونقاوة القلب إلى محبّة الإنسان الآخر وخدمة حاجاته المختلفة. على الكاهن أن ينشغل قبل كلّ شيء بالعمل الرّوحيّ: أوّل هذا العمل هو اللّيتورجيا الإلهيّة، من خلالها يُمارس ويُفعِّل موهبته الرّوحيّة والتّعليميّة. حثّْ رعيَّتَه، عبر الوعظ بكلمة الله، على ممارسة الأسرار الخلاصيّة، خاصّة القدّاس الإلهيّ وممارسة سرّ التّوبة والاعتراف المتواتر. "لا ينبغي أن نترك كلمة الله ونخدم الموائد"، تُظهر هذه الحقيقة كم هي مهمّة البشارة بكلمة الله في الكنيسة والتّفرّغ لها، لكن أيضًا سرعة الرُّسُل في معالجة هذا الموضوع واختيار شمامسة لخدمة حاجات المؤمنين الماديّة والجسديّة يُظهر أيضًا الأهميّة الّتي ينبغي أن توليها الكنيسة لهذا العمل.

أمر مميّز في هذا المقطع، كما يقول الذّهبيُّ الفم، أنّ الرُّسُل لم يتصرّفوا من عندهم، لم يُقرّروا متّكلين على تمييزهم الخاصّ، بل في طاعة الكنيسة، استشاروا جمهور التّلاميذ الآخَرين. وهذا ما ينبغي أن تكون عليه طريقة عمل الأسقف في أبرشيّته والكاهن في رعيّته. بهذه الطّريقة يتكامل جسد المسيح بمواهبه المختلفة.

هذا التّكامُل المَواهِبيّ تكفله نعمة الله، هذه النّعمة تُعطى لمن يطلبها بالإيمان والصّلاة المتواضعة. "فصلّوا ووضعوا عليهم الأياديّ" (أع 6:6)، الله يعمل في البشر عبر التّواضع والصّلاة النّقيّة. فالصّلاة الحقيقيّة تعني تخلّي الإنسان عن فكره الخاصّ ومشيئته الذّاتيّة وطلبه مشيئة الله. كيف يمكن للإنسان أن يعرف مشيئة الله من دون صوم وصلاة؛ ويمتلئ من الإيمان والقوّة من دون حياة العبادة والتّقوى؛ كما وأن يمتلئ من الرّوح والحكمة من دون تواضع وتوبة. هكذا اختارت الكنيسة استفانوس، "رجُلًا مَملوًّا من الإيمان والرّوح القدس... مَملوًّا إيمانًا وقُوّةً، كان يصنع عجائِب وآياتٍ عظيمةً في الشّعب" (أع 5:6، 8).

محبّة حاملات الطّيب

حاملات الطّيب هُنَّ "النّسوة اللّواتي أظهَرْنَ وفاءً للرَّبِّ يسوع عند صليبه وعند دفنه وبعده وتردَّدن فجر أحد القيامة إلى القبر  ليُطيّبن جسده وكُنَّ أوّل مَنْ عاين قيامة المسيح من بين الأموات". حسب التّقليد كنّ سبع نساء: مريم المجدليّة الّتي أخرج منها الرَّبُّ سبعة شياطين، سالومة زوجة زبدي وأمّ يوحنّا الإنجيليّ ويعقوب الرّسول، حنّة إمرأة خوزي مدبّر منزل الملك هيرودس أنتيباس، مريم ومرتا شقيقتا لعازر الّذي أقامه الرَّبُّ يسوع من بين الأموات، مريم زوجة كلاوبا، سوزانّا المعروفة بسوسنّة.

محبّة هؤلاء النّسوة للرَّبِّ يسوع تجلّت في وفائهنّ له وملازمتهنّ إيّاه يَوْمَيْ الآلام (الجمعة العظيمة) والقيامة (أحد الفصح)، ففي الوقت الّذي تخلّى فيه الكلّ عنه حتّى الأقربين منهم كالتّلاميذ (ما عدا يوحنّا الحبيب) والرّسل، وحتّى من شَفاهُم وهَداهُم وصنع معهم معجزاته، نجد أنّ هؤلاء النّسوة أبرزنَ شجاعةً وعدم خوف من اليهود ورؤساء الكهنة والصّالبين ولم يدعنَ للجبن مكانًا في قلوبهنّ. فكانت مكافأة الرَّبِّ لهنّ أنّه أظهر لهنّ قيامته قبل الجميع وطلب منهنّ أن ينقلن هذا الخبر السّار للتّلاميذ والتّابعين. وهكذا نلنَ شرف الرّسوليّة عن جدارة. وسُطِّرَت محبتّهن بأحرف من نور في الكتاب المقدّس. العيب الوحيد أو النّقص الّذي لا نقدر أن نغفل عنه في تصرفهنّ هو جلبهنّ للحنوط معهنّ، ممّا يعني أنهنّ لم يكنّ يتوقعنّ أنّ المسيح قام وانتصر على الموت مع أنّه كان قد أكّد هذا للجميع قبل الذّهاب إلى آلامه أكثر من مرّة. طبعًا هذا كلّه كان يرجع للضّعف البشريّ وصعوبة تصديق أنّ إنسانًا يموت ويُدفن ثمّ يقوم. لأجل هذا عاتبهنّ الملاكان برقّةٍ وحنوّ: "لماذا تطلبن الحيّ مع الموتى؟ ليس هو ههنا لكنّه قد قام، أذكرنَ كيف كلمكنّ وهو بعد في الجليل قائلًا أنّه ينبغي أن يسلّم ابن الإنسان إلى أيدي أناس خطأة ويصلب وفي اليوم الثّالث يقوم" (لوقا ٢٤ : ٥-٧). ولكن مع كلّ هذا عَذَرَ الرَّبُّ ضعفهنّ هذا ورفعهنّ إلى مرتبة القداسة لأنّ محبتهنّ طغت على ضعفهنّ. وقد خصّصت لهنّ كنيستنا المقدّسة تذكارًا وعيدًا مع يوسف الرّامي ونيقوديمُس التّلميذ اللّيليّ في الأحد الثّاني بعد الفصح. بركة شفاعتهنّ تكون معنا أجمعين.

انقر هنا لتحميل الملف