Menu Close

 

 

 

 

 

 

 

 

 

في هذا اليوم تُقيم الكنيسة المُقدَّسَة تَذكار:

الشّهيدة الأولى تقلا المعلوليّة، المعادلة الرّسل أبونا القدّيس البار كوبريوس أبونا القدّيس البار سلوان الآثوسيّ أبونا القدّيس البار أبراميوس ميروجا أبونا الجليل في القدّيسين ثيودوروس الأنطاكيّ القدّيس البار نيكاندروس بسكوف القدّيس البار غالكتيون فولوغدا القدّيس البار استفانوس المتوّج أوّلًا الصّربيّ القدّيسان فلاديسلاف وداود الصربيان الشهداء باسيل فوسكريسنسكي وآخرون.

*        *        *

✤القدّيس سلوان الآثوسيّ✤

        ولد القدّيس سلوان الآثوسيّ في إحدى قرى مقاطعة طامبوف، في روسيا الوسطى، عام 1866 م. اسمه المدنيّ كان سمعان إيفانوفيتش أنطونوف، وعائلته عاميّة فلاّحة. كان إنسانًا بسيطًا، قويّ البنية، عاديًّا بين العاديّين. ومن العاديّات الّتي ذكرها، فيما بعد، أنّه كان على علاقة جسديّة بإحدى الفتيات، وكاد أن يقتل شابًا من أهل القرية تحدّاه. وقد ولَّد كِلا الأمرَين في نفسه إحساسًا عميقًا بالخطيئة. هاجس الإلهيّات لم يغادره منذ الطفوليّة. من أكثر الّذين أثّروا في حياته والده الّذي وصفه سلوان بأنّه كان رجلًا حكيمًا، حليمًا، لطيفًا، هادئًا، صبورًا. “تصوّر أنّه صبر عليّ ستة أشهر منتظرًا اللّحظة المناسبة ليصلحني [في أمر ارتكبته] دون أن يجرحني“. في التّاسعة عشرة من عمره احتدّت روح الرّبّ فيه فكان كثير الصّلاة، يبكي خطاياه. واستمرّ هكذا ثلاثة أشهر. مذ ذاك، اتّجه ذهنه ناحية الرّهبنة، لكنّه انتظر نهاية خدمته العسكريّة.

        ووصل إلى دير القدّيس بندلايمون في جبل آثوس في خريف 1892. هناك سلك في الطّريقة الّتي يسلك فيها جميع الرّهبان: صلوات في القلّاية، صلوات في الكنيسة، أصوام، أسهار، اعترافات، مناولة، قراءة، عمل وطاعة. شهادات الرّهبان عنه كانت طيّبة. خدم في مطحنة الدّير. قلّة عرفته معرفة جيّدة. ومن هذه القلّة تلميذه الأرشمندريت صفروني (سخاروف) الّذي كتب سيرته وجمع أقواله واهتمّ بإبراز قداسة سيرته إلى أن أعلن المجمع المقدّس القسطنطينيّ قداسته في تشرين الثّاني عام 1987.

        لم تخرج حياة القدّيس سلوان عن المألوف، لا في العالم ولا في الدّير. حياته كانت مستترة كما هو حال الرّهبان عمومًا. هناك، في غربة عن عيون النّاس، في “إنسان القلب الخفيّ” (1 بطرس 3: 4)، دارت فصول حياة القدّيس سلوان. جاء في بروتوكول إعلان قداسته الّذي صدر عن البطريرك المسكونيّ ديمتريوس والمجمع القسطنطينيّ المقدّس: “…تفوّق… في الفضيلة، جاعلًا نفسه بالورع وقداسة السّيرة أنموذج حياة في المسيح يحتذى وإيقونة حيّة للفضيلة… أظهر نفسه معلّمًا رسوليًّا ونبويًّا للكنيسة وللمؤمنين… بلغ قامة روحيّة عالية وأضحى إناء للرّوح القدس يمارس محبّة نادرة… شرّفه الله بمواهب شفاء المرضى والمتألّمين وبحدس عجيب...“.

        في حياة القدّيس سلوان ثلاث مراحل روحيّة أساسيّة:

vفي المرحلة الأولى

        كان أوّل عمل قام به سمعان بعد التحاقه بالدّير تأدية اعتراف كامل بكلّ ما اقترفه من ذنوب في حياته. وقد استعدّ لذلك بضعة أيام، ثمّ قام بما كان مطلوبًا منه. قال له الكاهن المعرّف، بعدما حلّه من خطاياه: “اذهب الآن بسلام وكن فرحًا“. كلام لم يصدّقه سمعان من الفرح، وهو الّذي عانى، أبدًا، من إحساس مرهف بالخطيئة. وغمرته الفرحة إلى درجة أهمل معها الإنتباه إلى نفسه، عن قلّة دراية، وسقط في التّهاون. وفجأة ألفى نفسه في اضطراب وقلق وحزن ويأس، تتجاذبه الأفكار وتشدّه في كلّ اتّجاه كما لتقلعه من جذوره. ظنّ أنّه سيكون في مأمن في الدّير، فإذا به يكتشف أنّه، هنا أيضًا، يمكن أن يهلك. وتبدّد الفرح وثارت ألسنة الجحيم وعاوده إحساس بالخطيئة قتّال فَظَنّ أنّه سيموت في الدّير بسبب خطاياه. لكنّه قرّر أن يمضي في صلاة لا هوادة فيها مهما تكن التّجربة قاسية. ولثلاثة أسابيع أخذ في صلاة حارّة، رغم أنّ قلبه كان طريح أسى عميق. وإذا بالصّلاة تدخل قلبه وتبدأ بالتّدفّق من ذاتها دونما توقّف. لكنّ الأفكار استمرّت تنفخ في صدره وتعبث به، ونما فيه اليأس إلى حدّ أنّه اختبر النّور الشّيطانيّ يلفّه وتراءت له الشّياطين تتحدّث إليه، تارّة تؤكّد له أنّه قدّيس وتارّة أنّ لا خلاص له. استمرّ الأخ سمعان على هذه الحال ستّة أشهر بلغ بعدها أقسى درجات اليأس، فهبطت عزيمته وقال في نفسه: “الله قاس لا يلين“. في اليوم عينه، في صلاة الغروب، عاين الرّبّ يسوع المسيح حيًّا أمامه قرب إيقونته فامتلأ كيانه من نار نعمة الرّوح القدس. نورٌ إلهيّ عظيم انسكب عليه ورفعه من هذا العالم إلى حيث كلمات لا يسوغ النّطق بها. تلك كانت ولادة له من العُلى على نحو ما ذكر يوحنّا في إنجيله (يوحنّا 1: 13؛ 3: 3).

        هذه كانت أوّل خبرة جحيميّة عبر بها سلوان، والرّبّ الإله كشف له ذاته بعدما استنفد نفسه، فغفر له ذنوبه وكفّت صلاة التّوبة عنده وذاق حلاوة المُصالحة مع الله وسلامًا عميقًا.

vالمرحلة الثّالثة

        بعد هذا الإعلان الإلهيّ الجديد، باتت أنشودة سلوان المُفضّلة هي التالية: “سأموت وستنزل نفسي المسكينة إلى ظلمات الجحيم. هناك، وحيدًا في اللّهب المظلم، سوف أبكي وأصرخ إلى سيّدي أين أنت، يا نور نفسي؟ لماذا تركتني؟ أنا لا طاقة لي على العيش من دونك…“.

        لم تعد النّعمة، في هذه المرحلة، تتركه كما من قبل. صار حاملًا لها في قلبه. أدرك حضور الله الحيّ وبات الذهول يملأه إزاء رأفات العليّ. سلام المسيح العميق أفعم قلبه وأعطاه الرّوح القدس الطّاقة على الحبّ. ومع أنّه أضحى مُجاهِدًا روحيًّا عظيمًا، لكنّه استمرّ يعاني من تقلّبات الطّبيعة البشريّة. وكان كلّما شعر بالّنعمة تضعف فيه يذرف نفسه دمعًا وألمًا.

        واستمرّ سلوان الرّاهب على هذا المنوال خمسة عشر عامًا إضافيّة، أعطاه الله بعدها القدرة على طرد كلّ فكر بحركة بسيطة في النّفس، فأضحى على شكر دائم لله. كان، في صلاته، لا يكفّ عن ترداد هذه الكلمات: “كيف أشكرك ربّي، على نعمك الجزيلة؟! فلجاهل ولخاطئ أنت تكشف أسرارك. العالم يلفّه اليأس وإلى الهلاك يمضي، وأنت تفتح لي أبواب الحياة الأبديّة، أنا، آخر الكلّ وأسوأ الجميع! أيّها السيّد، ليس في وسعي أن أخلص وحيدًا فَهَب العالم كلّه أن يعرفك!

        وشيئًا فشيئًا غمرت الرّاهبَ سلوان رأفةٌ ما بعدها رأفة حيال مَن لا يعرفون الله. صار له قلب كقلب الله. كان يقول: “أن نصلّي من أجل النّاس معناه أن نسكب دمنا من أجلهم“. “إنّ أخانا هو حياتنا“.

        تميّز القدّيس سلوان بالصّلاة لأجل المسكونة وباليَقين أن لا نُطقَ بالله ولا حياة فيه إلاّ بالرّوح القدس.

        هكذا بلغ القدّيس سلوان الألم الكبير الّذي حدا بكلمة الله لأن يتجسّد. هكذا بلغ سلوان الحبّ الكبير، وبات يسير بخطى ثابتة صوب اللّاهوى.

        كان رقاده هانئًا في الرّبّ في 24 أيلول 1938.

مواضيع ذات صلة